مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليس أخطر على الأمم من أن يتحول العلم من حق إلى امتياز، ومن وسيلة للارتقاء إلى سلعة تقاس بثمنها. فحين تقرر بعض الجامعات المغربية فرض رسوم باهظة على الطلبة الموظفين، تصل في سلك الدكتوراه إلى عشرين ألف درهم سنويا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: كم ستربح الجامعة؟ بل: كم ستخسر البلاد من العقول؟
منطق هذه السياسة يبدو غريبا. فالموظف الذي يطرق باب الجامعة لا يبحث عن شهادة للتفاخر، بل يسعى إلى تطوير كفاءته، وتحسين أدائه، والإسهام في إنتاج المعرفة. يدرس بعد ساعات العمل، ويضحي براحته وأسرته، وينفق من ماله الخاص، ثم يجد نفسه مطالبا بدفع مبالغ قد تعادل راتب عدة أشهر، وكأن طموحه أصبح تهمة تستوجب العقاب.
والأغرب أن هذه الرسوم تأتي في وقت تتحدث فيه الدولة عن تثمين الرأسمال البشري، وربط التنمية بالبحث العلمي، وتشجيع التكوين المستمر. فكيف نرفع شعار “مجتمع المعرفة”، ثم نضع على باب المعرفة لافتة كتب عليها: “الدخول لمن يستطيع الدفع فقط”؟
إذا كانت الجامعة العمومية تعاني من ضعف التمويل، فإن الحل لا يكون بإغلاق أبوابها في وجه من يريد أن يتعلم، بل بالبحث عن سياسات تمويل عادلة تحفظ رسالتها. فالجامعة ليست شركة تقدم خدمة مقابل ثمن، بل مؤسسة وطنية تصنع النخب، وتبني المستقبل، وتنتج الأفكار التي تحتاجها البلاد.
إن أخطر ما في هذه السياسة أنها ترسل رسالة سلبية إلى كل موظف يفكر في متابعة دراسته: ابق حيث أنت، فالمعرفة أصبحت مكلفة. وهي رسالة تتناقض مع فلسفة التعلم مدى الحياة، التي أصبحت اليوم معيارا لتقدم الأمم.
إن الجامعة التي تفرض الحواجز المالية أمام الباحثين، قد تنجح في موازنة حساباتها، لكنها تخاطر بإفقار البحث العلمي، وإحباط الكفاءات، وتوسيع الفجوة بين من يستطيع أن يتعلم ومن لا يستطيع.
فالأوطان لا تبنى بمن يدفع أكثر، بل بمن يعرف أكثر. وحين يصبح ثمن المعرفة مرتفعا، فإن فاتورة الجهل ستكون أعلى بكثير.
