مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليست كل أزمة في المؤسسات تبدأ عند صناديق الاقتراع، بل إن بعضها يبدأ قبل ذلك بكثير، عند إعداد اللوائح التي تحدد من يملك حق الاختيار ومن يحق له أن يتحدث باسم المهنة. وفي قطاع الصحافة، حيث تتداخل المسؤولية المهنية مع الأدوار الدستورية للإعلام في خدمة المجتمع والديمقراطية، يصبح الحديث عن تحيين اللوائح المهنية أكثر من مجرد إجراء إداري؛ إنه سؤال يتعلق بشرعية المؤسسة، وعدالة التمثيل، ومستقبل المهنة برمتها.
اليوم، ومع اقتراب استحقاق انتخاب مجلس وطني جديد للصحافة، يعود النقاش حول اللوائح المهنية إلى الواجهة، ليس باعتباره مطلبا تقنيا، وإنما باعتباره المدخل الحقيقي لأي إصلاح جاد. فلا يمكن الحديث عن مجلس قوي وذي مصداقية، إذا كانت القاعدة الانتخابية نفسها محل نقاش وتشكيك، أو إذا كانت تضم أسماء لا تستجيب للشروط القانونية أو المهنية، في مقابل مهنيين يمارسون العمل الصحفي فعلا ويشعرون بأن مؤسستهم التمثيلية لا تعكس واقعهم.
لقد راكمت التجربة المغربية، في مجالات عديدة، قناعة مفادها أن نزاهة أي استحقاق تبدأ من سلامة اللوائح. ولعل ما عرفته اللوائح الانتخابية العامة من عمليات تحيين وتنقية دورية، تحت إشراف مؤسسات الدولة، يؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ يوم التصويت، وإنما قبل ذلك بوقت طويل، عبر ضمان قاعدة انتخابية سليمة تعكس الواقع كما هو، لا كما يرغب البعض أن يكون.
والصحافة ليست استثناء من هذه القاعدة. بل إنها أولى بها، لأن المجلس الوطني للصحافة ليس مجرد هيئة مهنية، بل مؤسسة ذات اختصاصات تنظيمية وتأديبية وأخلاقية، تؤثر قراراتها في حياة الصحفيين، وفي علاقة المؤسسات الإعلامية بالمجتمع والدولة.
إن واحدة من الإشكالات التي ظلت ترافق المجلس الوطني للصحافة، منذ سنوات، هي اتساع الفجوة بين المؤسسة وعدد من الصحفيين المهنيين، الذين أصبحوا يشعرون بأن المجلس يتحدث باسمهم أكثر مما يستمع إليهم، ويمارس اختصاصاته دون أن ينجح دائما في بناء الثقة الضرورية مع الجسم الإعلامي.
ولا يتعلق الأمر هنا بتقييم الأشخاص أو النوايا، وإنما بتشخيص علاقة مؤسساتية تحتاج إلى مراجعة عميقة. فالمجلس، أي مجلس، يستمد قوته من ثقة المهنيين قبل النصوص القانونية، ومن شعور الصحفي بأن المؤسسة تمثله فعلا، وتحمي استقلاليته، وتدافع عن حقوقه المهنية والاجتماعية، قبل أن تمارس عليه وظائف التأديب أو التنظيم.
ولذلك، فإن أي انتخابات جديدة، دون مراجعة دقيقة للوائح، قد تعيد إنتاج الإشكالات نفسها، وتؤجل الأزمة بدل معالجتها. فالشرعية لا تبنى فقط بنتائج الاقتراع، وإنما أيضاً بعدالة شروطه.
إن اللجنة المؤقتة المكلفة بتسيير شؤون قطاع الصحافة تتحمل اليوم مسؤولية تاريخية، ليس فقط في تدبير مرحلة انتقالية، وإنما في وضع الأسس التي تجعل المجلس المقبل أكثر قوة وأكثر قبولا داخل الوسط المهني. وهذه المسؤولية لا ينبغي أن تختزل في تنظيم الانتخابات داخل الآجال، بل في ضمان أن تكون تلك الانتخابات مؤسسة على قاعدة قانونية ومهنية سليمة، تعكس حقيقة المشهد الإعلامي المغربي.
وإذا تعذر إنجاز هذا الورش كاملا خلال المرحلة الحالية، فإن ذلك لا يسقط المطلب، ولا يقلل من أهميته. فالإصلاحات الكبرى لا ترتبط بالأشخاص ولا بالحكومات، وإنما تستمر باعتبارها سياسات عمومية تتوارثها المؤسسات. ولذلك، فإن الحكومة المقبلة، والوزارة الوصية، ومعها كل الفاعلين المهنيين، سيكونون مطالبين بمواصلة هذا المسار حتى يكتمل.
لكن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند اللوائح وحدها، لأن أزمة الصحافة المغربية أعمق من مجرد سجل انتخابي. فالقطاع يعيش تحديات متعددة؛ من هشاشة المقاولات الإعلامية، إلى أوضاع الصحفيين الاجتماعية، إلى التحولات الرقمية المتسارعة، وصولا إلى الحاجة لتطوير منظومة التكوين، وتجديد أخلاقيات المهنة، وتعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية.
ومن هنا، فإن إصلاح المجلس الوطني للصحافة ينبغي أن يكون جزءا من رؤية أشمل لإصلاح المنظومة الإعلامية، لا مجرد محطة انتخابية تنتهي بإعلان النتائج. فالمجلس وسيلة لخدمة المهنة، وليس غاية في حد ذاته.
إن الصحفيين المهنيين لا ينتظرون مؤسسة تمنحهم الشرعية، لأن شرعيتهم يصنعها عملهم اليومي والتزامهم بأخلاقيات المهنة، لكنهم ينتظرون مجلسا يشعرون بأنه بيتهم المهني الحقيقي؛ مجلسا يصغي قبل أن يقرر، ويحاور قبل أن يحكم، ويدافع عن استقلالية الصحافة بنفس القوة التي يدافع بها عن احترام قواعدها.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن إصلاح قطاع الصحافة والنشر لا يمكن اختزاله في دورة انتخابية أو في تشكيل مكتب جديد. إنه مشروع وطني طويل النفس، تتقاطع فيه مسؤوليات الدولة والمهنيين والمؤسسات والمجتمع. فالإعلام ليس شأنا فئويا، بل أحد أعمدة الدولة الحديثة، وجودة الديمقراطية تقاس، في جانب منها، بجودة صحافتها.
ولهذا، فإن تحيين اللوائح ليس نهاية الإصلاح، بل بدايته. أما الإصلاح الحقيقي، فهو ذلك الذي يعيد الثقة بين المجلس والصحفيين، ويجعل المؤسسة التمثيلية امتدادا حقيقيا للجسم المهني، لا جسما موازيا له.
ويبقى المبدأ الذي ينبغي أن يحكم كل هذا المسار واضحا وثابتا: إن إصلاح قطاع الصحافة والنشر هو مشروع دولة ومجتمع، وليس مشروع حكومة.
