Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين تدخل الانتخابات قاعة القضاء .. من يحمي إرادة الناخب؟

ليست كل الكلمات التي تقال في تجمع انتخابي مجرد عبارات عابرة تنتهي بانتهاء التصفيق. بعض الكلمات قد تفتح أبوابا واسعة من الأسئلة، وقد تنتقل في لحظة من منصة الخطاب السياسي إلى طاولة البحث القضائي.

وهذا تحديدا ما حدث في القنيطرة، بعدما تداولت منصات التواصل الاجتماعي تصريحات منسوبة إلى أحد المرشحين للانتخابات التشريعية، تتحدث عن إمكانية استعمال أموال متحصلة من كمية مهمة من المخدرات للتأثير في العمليات الانتخابية.

لم تتعامل النيابة العامة مع الأمر بمنطق الصمت، ولا بمنطق الإدانة المسبقة، وإنما اختارت الطريق الذي يفترض أن يكون فاصلا بين الحقيقة والادعاء: البحث القضائي.

وهنا تكمن أهمية القضية.

فالمسألة، في جوهرها، ليست فقط معرفة ما إذا كان تصريح ما قد قيل، ولا الوقوف عند حدود مقطع مصور أو منشور متداول. السؤال الأعمق هو: هل يمكن أن تتحول الانتخابات، التي يفترض أن تكون تعبيرا حرا عن إرادة المواطنين، إلى مجال لتوظيف المال غير المشروع أو النفوذ غير المشروع؟

إذا كان الجواب بالنفي ــ وهو ما يفترضه القانون ومبدأ نزاهة الانتخابات ــ فإن مجرد الحديث عن مثل هذه الإمكانية يستحق التحقق، لأن الديمقراطية لا تحميها صناديق الاقتراع وحدها، وإنما تحميها أيضا شروط المنافسة العادلة التي تسبق الوصول إلى الصندوق.

لكن في المقابل، هناك قاعدة لا ينبغي أن تضيع وسط ضجيج المنصات الرقمية: التداول ليس دليلا، والانتشار ليس إثباتا، والاتهام ليس إدانة.

وهنا تحديدا ينبغي التمييز بين العمل الصحفي المسؤول والعمل الذي يحاكم الناس قبل القضاء.

إن فتح النيابة العامة للبحث لا يعني أن الواقعة ثبتت، ولا يعني أن الشخص المعني أصبح متهما مدانا. إنه يعني ببساطة أن هناك معطيات تستوجب التحقق، وأن المؤسسة القضائية قررت أن الحقيقة يجب أن تبحث في مكانها الطبيعي: داخل المساطر القانونية، لا في ساحات التواصل الاجتماعي.

وهذا أمر مهم، ليس فقط بالنسبة إلى الشخص الذي وردت تصريحاته في المعطيات المتداولة، وإنما بالنسبة إلى المجتمع كله.

فالانتخابات لا تحتمل أن تتحول إلى محكمة شعبية، كما لا تحتمل أن تصبح فضاء مغلقا أمام المساءلة القانونية. المطلوب هو الحقيقة.

والحقيقة لا تحتاج إلى حملات إلكترونية، ولا إلى تصفية حسابات سياسية، ولا إلى عناوين تبحث عن الإثارة أكثر مما تبحث عن الوقائع. تحتاج فقط إلى تحقيق جدي، وأدلة، ومسؤولية مؤسساتية.

ثم إن الحديث عن المال والمخدرات والانتخابات يلامس واحدا من أخطر المفاصل التي يمكن أن تهدد الثقة في العملية الديمقراطية. فالمال السياسي، حين يتجاوز الحدود القانونية، لا يشتري فقط أصواتا محتملة؛ بل يستطيع أن يشتري النفوذ، ويعيد تشكيل موازين المنافسة، ويجعل المواطن يشعر بأن صوته لم يعد يساوي شيئا أمام قوة المال.

وهنا يصبح الدفاع عن نزاهة الانتخابات دفاعا عن كرامة الناخب قبل أن يكون دفاعا عن الأحزاب والمرشحين.

فالناخب الذي يقف أمام صندوق الاقتراع ينبغي أن يشعر أن صوته ملك له، وأن اختياره لا يشترى ولا يباع ولا يوجه بأموال مجهولة المصدر.

لكن ثمة جانبا آخر لا يقل أهمية: لا ينبغي أن تتحول محاربة المال غير المشروع إلى ذريعة لتصفية الحسابات السياسية أو لتشويه المنافسين.

لهذا فإن البحث القضائي الجاري بالقنيطرة يجب أن يترك ليأخذ مجراه الطبيعي، وأن تكون نتائجه وحدها هي التي تحدد ما إذا كانت التصريحات المتداولة تستند إلى وقائع حقيقية، أم أنها قيلت في سياق مختلف، أم أنها تعرضت للاجتزاء أو التأويل.

القضاء هنا لا يبحث فقط عن مسؤول أو مخالفة محتملة؛ إنه يبحث، في العمق، عن الحقيقة.

والصحافة أيضا مطالبة بالشيء نفسه. أن تطرح الأسئلة، نعم. أن تراقب، نعم. أن تنبه إلى المخاطر، نعم. لكن من دون أن تتحول إلى سلطة اتهام.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الانتخابات ليس فقط أن يستعمل المال غير المشروع للتأثير في الناخبين، وإنما أيضا أن تستعمل الشائعة والاتهامات غير المثبتة لتوجيه الرأي العام. بين المال والشائعة يقف القانون. وبين الخطاب السياسي والحكم القضائي تقف الحقيقة. وبين كل ذلك يقف المواطن، وهو صاحب الكلمة الأخيرة أمام صندوق الاقتراع. لذلك، فإن قضية القنيطرة ينبغي ألا تختزل في تصريح انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا في مرشح أصبح اسمه متداولا، ولا في سجال انتخابي عابر. القضية أكبر من ذلك.

إنها سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته:

هل نريد انتخابات تقاس فيها قوة المرشح ببرنامجه وثقة المواطنين فيه، أم انتخابات يصبح فيها المال والنفوذ قادرا على شراء الطريق إلى الصندوق؟

الجواب لا ينبغي أن يكون شعارا انتخابيا.

الجواب يجب أن يكون ممارسة، وقانونا، ومؤسسات، وإرادة سياسية، ويقظة صحفية، وقبل كل شيء إرادة مواطن لا يقبل أن يباع صوته أو تختطف إرادته.

أما ما جرى في القنيطرة، فسيبقى إلى حين ظهور نتائج البحث القضائي في خانة السؤال لا الجواب.

وفي دولة المؤسسات، لا ينبغي أن نخاف من السؤال، لكن ينبغي أن نحترم الحقيقة حين تأتي.

ذلك هو آخر الكلام.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...