مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
الأزمة السياسية داخل المجلس البلدي لم تعد مجرد تعثر في عقد الدورات أو خلاف شكلي حول تسيير الجلسات، بل تحولت إلى مأزق حقيقي يهدد بشلّ عمل المجلس وجرّ الولاية الحالية نحو طريق مسدود. المعارضة، التي استمرت في مقاطعة الدورة الثانية، أثبتت أنها ليست في موقع ضعف كما تحاول الرئيسة الإيحاء، بل تتحرك وفق استراتيجية دقيقة تهدف إلى ضرب شرعية التسيير من الداخل، وهو ما بدأت ملامحه تظهر من خلال غياب بعض مستشاري الأغلبية أنفسهم، في إشارة واضحة إلى أن التماسك الداخلي للأغلبية بات على المحك.
ما حدث في هذه الدورة كان متوقعًا، لكنه أكثر خطورة مما يبدو على السطح. المجلس لم يعد ساحة لصراع بين أغلبية تحكم ومعارضة تناور، بل أصبح فضاءً تتآكل فيه السلطة من الداخل، حيث لم يعد بإمكان الرئيسة حتى ضمان حضور فريقها بشكل منسجم. هذا التراجع ليس مجرد أزمة عددية، بل هو انعكاس لضعف القدرة على ضبط التحالفات وإدارة التوافقات الضرورية لأي قيادة سياسية ناجحة. في غياب هذا التماسك، يصبح الحديث عن الاستناد إلى القوانين مجرد محاولة يائسة للالتفاف على الواقع السياسي الجديد الذي تفرضه المعارضة، وليس أداة حقيقية لاستعادة المبادرة.
التشبث بالمادة 42 من القانون 113/14 لعقد الجلسة رغم المقاطعة هو مناورة قانونية، لكنها لا تعالج جوهر المشكلة. القانون ليس مجرد نصوص تُقرأ، بل هو أداة تُفعَّل ضمن سياقات سياسية متحركة، وعندما تفقد القيادة القدرة على خلق التوافقات، يصبح القانون في حد ذاته جزءًا من الصراع وليس حلاً له. في المقابل، المعارضة لعبت أوراقها بذكاء، إذ لم تكتفِ بالغياب بل جعلت من المقاطعة موقفًا مبدئيًا يستند إلى نفس المرجعية القانونية، مما أفقد الرئيسة القدرة على الادعاء بأنها الطرف الوحيد الذي يحترم الشرعية.
التحاق عضوين جديدين لتعويض المقاعد الشاغرة لم يكن كافيًا لإحداث تغيير حقيقي في موازين القوى. المشكلة ليست في نقص الأعضاء، بل في غياب رؤية سياسية قادرة على إعادة ترتيب المشهد داخل المجلس. إضافة أسماء جديدة إلى تركيبة مختلة أصلًا لن يؤدي إلا إلى تعقيد الأزمة، لأن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الرئيسة ليس في ملء المقاعد، بل في استعادة السيطرة على مجلس لم يعد حتى أعضاؤه الموالون يثقون في صلابة قيادته.
المشهد الذي ظهرت فيه الرئيسة خلال الجلسة لم يكن مطمئنًا حتى لأنصارها. الاكتفاء بقراءة بلاغ مقتضب، شابه خطأ في تحديد تاريخ الدورة، أظهرها مرتبكة في لحظة كان يُفترض أن تستعرض فيها قوتها السياسية. الزعامة لا تُقاس فقط بالقرارات، بل أيضًا بالطريقة التي تُدار بها الأزمات، وعندما يفقد القائد القدرة على التحكم في التفاصيل الصغيرة، فإن ذلك يكون مؤشرًا على أنه فقد أيضًا السيطرة على المشهد الأكبر.
المعارضة تدرك أن استمرارها في المقاطعة هو أقوى سلاح تملكه، فهي لا تعطل الجلسات فقط، بل تفرض على الرئيسة إما البحث عن تسويات جديدة أو الاستمرار في معركة استنزاف طويلة لن تخرج منها منتصرة. هذا الضغط المنظم قد يدفع بالمجلس إلى حالة من الجمود السياسي، حيث تصبح كل دورة مجرد مناسبة لإعادة إنتاج نفس المأزق، دون أي أفق لحل حقيقي.
إذا استمر الوضع بهذه الطريقة، فإن ما تبقى من الولاية سيكون مجرد وقت ضائع، حيث لن يتم تمرير قرارات حاسمة، ولن يكون هناك أي إنجاز يمكن للرئيسة أن تقدمه كحصيلة لولايتها. هذا السيناريو سيكون في مصلحة المعارضة، لأنه سيؤكد فكرتها الأساسية: أن المجلس لم يعد يعمل وفق آليات ديمقراطية سليمة، بل بات فضاءً لتحركات فردية غير قادرة على تحقيق الإجماع المطلوب.
المجلس الآن أمام لحظة فارقة: إما أن تدرك الرئيسة أن العناد لن يؤدي إلى نتيجة، وتبدأ في البحث عن حلول سياسية حقيقية عبر إعادة التفاوض مع معارضيها، أو أنها ستستمر في سياسة الهروب إلى الأمام، مما سيجعلها تفقد السيطرة تدريجيًا حتى على من تبقى من داعميها. في السياسة، الجمود ليس علامة قوة، بل هو بداية السقوط.
كتبته/ ميمونة داهي
