Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

النمو الاقتصادي بالمغرب وفك الارتباط التدريجي بالأمطار: تحولات هيكلية تعيد رسم دور الفلاحة

آخر خبر

لم تعد الأمطار، كما كان الحال خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، المحدد الحاسم لمسار النمو الاقتصادي بالمغرب. فبعد سنوات طويلة من الارتباط الوثيق بين أداء القطاع الفلاحي وتقلبات التساقطات المطرية، بدأت معالم تحول هيكلي عميق تتشكل، خفف تدريجيا من هذه التبعية، وأعاد التوازن إلى الاقتصاد الوطني.

لعقود، ظل الاقتصاد الفلاحي أسير التقلبات المناخية، حيث كانت سنوات الجفاف تعني انكماشا واضحا في الناتج الداخلي، في حين كانت المواسم الممطرة تترجم إلى انتعاش قوي قد يتجاوز 20%. هذا الارتباط جعل من الفلاحة، ليس فقط قطاعا إنتاجيا، بل محددا ماكرو-اقتصاديا رئيسيا يؤثر مباشرة في وتيرة النمو الوطني.

غير أن هذه المعادلة بدأت تتغير تدريجيا خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة، مع بروز إصلاحات عميقة مست بنية القطاع الفلاحي، وأعادت تشكيل علاقته بالعوامل المناخية.

إذ شكل إطلاق مخطط المغرب الأخضر سنة 2008 منعطفا استراتيجيا في مسار تحديث الفلاحة المغربية. فقد استهدف هذا الورش الكبير الانتقال من فلاحة تقليدية تعتمد على الحبوب والتساقطات، إلى نموذج أكثر تنوعا وقيمة مضافة.

ومن أبرز ملامح هذا التحول:

•التوسع في الزراعات ذات القيمة العالية، خاصة الأشجار المثمرة مثل الزيتون والحوامض واللوز.

•ارتفاع المساحات المغروسة بالزيتون إلى أكثر من مليون هكتار، مقابل نحو 750 ألف هكتار في منتصف الألفية.

•تعزيز استقرار المردودية، باعتبار أن الزراعات الشجرية أقل تأثرا بالتقلبات المطرية مقارنة بالحبوب.

أحد أهم أعمدة هذا التحول يتمثل في التوسع الكبير في أنظمة الري الموضعي، خصوصا تقنية الري بالتنقيط. فبعدما كانت هذه التقنية تغطي حوالي 160 ألف هكتار فقط في منتصف العقد الأول من الألفية، تجاوزت اليوم 900 ألف هكتار، مع طموح بلوغ مليون هكتار.

هذا التحول مكن من:

•تقليص استهلاك المياه بنسبة تتراوح بين 30% و40%.

•تحسين الإنتاجية الفلاحية.

•تقليل الاعتماد المباشر على كمية التساقطات السنوية.

بحيث لم يقتصر التحديث على البنيات والتجهيزات، بل شمل أيضا الابتكار الزراعي.

فقد ساهمت الأبحاث agronomiques في تطوير أصناف نباتية أكثر مقاومة للجفاف، إلى جانب اعتماد تقنيات حديثة مثل الزرع المباشر، الذي يحافظ على رطوبة التربة ويحد من آثار نقص الأمطار.

هذه المقاربات العلمية ساعدت على استقرار الإنتاج، خاصة في المناطق التي تعاني من هشاشة مناخية.

رغم أن الأمطار لا تزال تلعب دورا مهما، فإن العلاقة بين التساقطات والناتج الفلاحي لم تعد بنفس الحدة السابقة. فتنوع سلاسل الإنتاج، وتوسع الزراعات المسقية، وتحسن تقنيات الإنتاج، كلها عوامل ساهمت في امتصاص جزء من الصدمات المناخية.

وتشير التوقعات لسنة 2026 إلى إمكانية تحقيق نمو فلاحي يقارب 15%، مدفوعا بتحسن التساقطات من جهة، وبثمار الإصلاحات الهيكلية من جهة أخرى.

بموازاة تحديث الفلاحة، عرف الاقتصاد المغربي تحولات بنيوية أخرى، تمثلت في صعود القطاعات غير الفلاحية، التي أصبحت تمثل نحو 85% من الناتج الداخلي الخام. وتشمل هذه القطاعات:

•الصناعة، خاصة صناعة السيارات والطيران

•الخدمات

•الطاقات المتجددة

هذا التنوع جعل النمو الاقتصادي أكثر استقرارا وأقل عرضة لتقلبات المناخ، كما عزز جاذبية المغرب للاستثمارات الدولية.

تعكس التطورات الأخيرة مسارا واضحا نحو اقتصاد أقل تبعية للعوامل الطبيعية، وأكثر اعتمادا على الإنتاجية والاستثمار والابتكار. ورغم أن الفلاحة ستظل مرتبطة جزئيا بالمناخ، بحكم الطبيعة الجغرافية للبلاد، فإن دورها في تحديد مسار الاقتصاد الوطني لم يعد حصريا كما في السابق.

في المحصلة، يمكن القول إن المغرب نجح، إلى حد بعيد، في “فك الارتباط” النسبي بين المطر والنمو، عبر مزيج من السياسات العمومية الطموحة والتحديث التقني والتنويع الاقتصادي. وهو مسار يعزز مناعة الاقتصاد الوطني، ويفتح آفاقا أوسع لنمو مستدام وأكثر استقرارا في المستقبل.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...