مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مهدية – القنيطرة / آخر خبر
بين مصب نهر سبو وامتداد المحيط الأطلسي، تمتلك منطقة القنيطرة ـ مهدية مؤهلات طبيعية وجغرافية تجعلها مرشحة لاحتضان أنشطة متنوعة في مجال السياحة البحرية وملاحة الترفيه. غير أن هذا الموقع الاستثنائي يطرح، في المقابل، أسئلة متزايدة حول قدرة المنظومة الإدارية والتنظيمية على مواكبة هذا النوع من الأنشطة، في ظل مطالب مهنية بفتح المجال أمام الاستثمار، مقابل هواجس مرتبطة بالسلامة والتنظيم والمراقبة.
فالمنطقة لا تفتقر إلى عناصر الجذب؛ ما ينقصها، وفق مهنيين وفاعلين محليين، هو إطار واضح ومتوازن يسمح باستثمار هذه المؤهلات ضمن شروط قانونية وتقنية دقيقة، بدل أن يتحول غياب التنظيم أو تعقيده إلى عائق أمام النشاط الاقتصادي.
وتكتسب القنيطرة ـ مهدية خصوصيتها من موقعها الذي يجمع بين المجال النهري والواجهة الأطلسية. فمصب سبو يوفر إمكانية لممارسة أنشطة ترفيهية وملاحية في فضاء مختلف عن الموانئ البحرية المفتوحة، بينما يتيح القرب من المحيط توسيع العرض ليشمل أنشطة بحرية ورياضية وسياحية أخرى.
هذه الازدواجية الجغرافية يمكن أن تمنح المنطقة عرضا سياحيا متنوعا، يجمع بين الرحلات النهرية والنزهات العائلية والأنشطة البحرية، فضلا عن إمكانية تطوير خدمات مرتبطة بالقوارب واليخوت ومهن مرافقة، متى توفرت الشروط القانونية والتقنية والبنيات الضرورية.
غير أن المهنيين يواجهون، بحسب معطيات متداولة في القطاع، جملة من الإكراهات المرتبطة بالترخيص والمراقبة والتأطير الإداري. ويعتبر عدد منهم أن المقاربة المعتمدة تحتاج إلى مراجعة، خصوصا في ما يتعلق بملاحة الترفيه، بما يسمح بالتمييز بين نشاط مهني مؤطر يحترم شروط السلامة، وبين الممارسات غير المنظمة.
وهنا تبرز معادلة تبدو أكثر تعقيدا من مجرد الاختيار بين السماح والمنع: كيف يمكن تنظيم النشاط بدل إغلاقه؟ وكيف يمكن تحقيق متطلبات السلامة دون تعطيل الاستثمار؟
فالمنع، في حد ذاته، لا يلغي بالضرورة الطلب على الخدمات البحرية. وإذا لم يجد المواطن والزائر عرضا قانونيا ومنظما، فإن الفراغ قد يفتح المجال أمام ممارسات غير مؤطرة، وهو ما يثير بدوره مخاوف أكبر تتعلق بالسلامة والمسؤولية والمراقبة.
وفي هذا السياق، تتحدث مصادر مهنية عن انتشار رحلات بحرية أو نهرية يتم تنظيمها خارج إطار واضح بالنسبة للفاعلين والزبناء، وهو وضع يستدعي، قبل أي استنتاج، تدقيقا من الجهات المختصة بشأن طبيعة هذه الأنشطة، ووضعية القوارب المستعملة، وشروط السلامة والمعاينة التقنية والتأمين والتراخيص المطلوبة.
فالغاية، وفق المهنيين، ليست تحرير المجال أمام نشاط عشوائي، وإنما العكس تماما: إخراج ملاحة الترفيه من منطقة الفراغ التنظيمي إلى فضاء قانوني واضح، يخضع للمراقبة ويفرض شروط السلامة ويتيح للدولة تحصيل مداخيل وخلق فرص اقتصادية جديدة.
ويضع هذا الوضع مديرية الملاحة التجارية وباقي المصالح المعنية أمام تحدي تطوير مقاربة أكثر وضوحا تجاه هذا النشاط، تقوم على تحديد الشروط والوثائق والمعايير التقنية المطلوبة، وآجال دراسة الملفات، ومسؤوليات مختلف المتدخلين.
كما أن السلطات المحلية مطالبة، من جهتها، بالمساهمة في بناء تصور تشاركي يجمع المصالح الإدارية والأمنية والمهنيين والجماعات الترابية وباقي المتدخلين، بما يسمح بتحقيق التوازن بين مقتضيات السلامة وحماية المستعملين، وبين الحاجة إلى تنشيط الاقتصاد المحلي.
ويكتسي هذا النقاش أهمية أكبر بالنظر إلى التحولات التي يعرفها المجال المينائي بالقنيطرة، وما يرتبط بمستقبل المنطقة من مشاريع وتصورات لإعادة توظيف بعض المجالات المينائية وتطوير وظائف جديدة، من بينها الأنشطة السياحية والترفيهية.
ومن شأن نجاح أي تصور مستقبلي لمارينا أو فضاء مخصص لملاحة الترفيه أن يرتبط، بشكل كبير، بمدى وضوح البيئة التنظيمية وقدرتها على منح المستثمرين رؤية مستقرة وقابلة للتوقع. فالمستثمر لا يحتاج فقط إلى العقار والبنية التحتية، وإنما يحتاج أيضا إلى قواعد واضحة، ومساطر شفافة، وآجال معقولة، وإدارة قادرة على المواكبة.
ومن هذه الزاوية، فإن النقاش حول القنيطرة ـ مهدية لا ينبغي أن يختزل في خلاف حول الترخيص لقارب أو نشاط بعينه، بل يتعين أن يتحول إلى سؤال أوسع حول كيفية تدبير الثروة البحرية والنهرية للمنطقة، وكيفية تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية وسياحية مستدامة.
كما أن مفهوم الاقتصاد الأزرق، الذي أصبح يحتل موقعا متقدما في السياسات العمومية المرتبطة بالبحر والسواحل، يفترض وجود منظومة متكاملة تجمع الاستثمار والتشغيل وحماية البيئة والسلامة والحكامة.
ولذلك، فإن المطلوب من الوزارة الوصية والمصالح المختصة ليس بالضرورة تخفيف شروط السلامة، وإنما توضيحها وتوحيدها وتبسيط مساطر الولوج إلى النشاط بالنسبة للمهنيين الذين يستوفون الشروط القانونية.
وبالموازاة مع ذلك، يبقى من الضروري تشديد المراقبة على الأنشطة التي لا تحترم القواعد، حماية للركاب والمواطنين، وحتى لا تتحول الحاجة إلى الترفيه والاستثمار إلى مدخل لممارسات قد تعرض الأرواح للخطر.
القنيطرة ومهدية لا تحتاجان إلى استثناءات من القانون، بقدر ما تحتاجان إلى تطبيق ذكي وفعال للقانون؛ قانون يضع حدودا واضحة للنشاط، لكنه لا يحول التنظيم إلى عائق أمام المبادرة الاقتصادية.
ومن هنا تبرز مسؤولية وزارة النقل واللوجيستيك وباقي المتدخلين في فتح حوار جدي مع المهنيين، ودراسة الإشكالات المطروحة ميدانيا، والبحث عن نموذج تنظيمي قادر على الجمع بين السلامة والاستثمار.
فمصب سبو ليس مجرد نقطة جغرافية، والمحيط الأطلسي ليس مجرد واجهة بحرية. وبينهما توجد فرصة اقتصادية وسياحية تحتاج إلى رؤية موحدة، وتنسيق مؤسساتي، وإدارة تنتقل من منطق معالجة الملفات حالة بحالة إلى بناء سياسة واضحة لملاحة الترفيه.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تستطيع القنيطرة ـ مهدية أن تحول موقعها الاستثنائي إلى قطب فعلي للاقتصاد الأزرق، أم ستظل مؤهلاتها الطبيعية أكبر من قدرتها على استثمارها تنظيميا ومؤسساتيا؟
الإجابة لن تكون في المزيد من المنع ولا في ترك المجال للفوضى، وإنما في بناء معادلة واضحة: استثمار مشروع، تنظيم صارم، سلامة مضمونة، ومواكبة إدارية تفتح الطريق بدل أن تغلقه.
