Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

العرش… ذاكرة المغاربة الجماعية ونبض حاضرهم

يأتي الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش كوثيقة جامعة بين التقاليد والآمال، بين الإعتراف بالمكتسبات والتأمل في التحديات واستشراف المستقبل. حيث يبرز جلالة الملك عمق علاقة المغاربة بالملكية بقوله:

“يشكل الاحتفال بعيد العرش المجيد مناسبة سنوية لتجديد روابط البيعة المتبادلة، ومشاعر المحبة والوفاء التي تجمعنا على الدوام، والتي لا تزيدها الأيام إلا قوة ورسوخا.”

هذا الوفاء ليس طقسا شكليا؛ بل هو سر قوة المغرب واستقراره ووضوح هويته، إذ يتحول العرش من رمزية سلطة إلى حارس للذاكرة والكرامة.

بهذا الاستهلال، ينقل الخطاب الملكي البعد الوجودي لعلاقة المغاربة بالملكية؛ فهي ليست علاقة سلطة وشعب، بل رباط وجداني عميق يشبه الذاكرة الجماعية التي تتجدد مع الزمن وتنتصر على الاهتزازات.

يربط الملك بين الماضي والمستقبل، بين “ما حققناه من مكاسب، وما ينتظرنا من مشاريع وتحديات، والتوجه نحو المستقبل بكل ثقة وتفاؤل.” هنا تبرز فلسفة الثقة المغربية في العرش عبر الزمن: ليس كقوة تفرض إرادتها، بل كراو جماعي للحلم والأمل والصبر. يعترف بقوة، “فما حققته بلادنا لم يكن وليد الصدفة، وإنما هو نتيجة رؤية بعيدة المدى، وصواب الاختيارات التنموية الكبرى، والأمن والاستقرار السياسي والمؤسسي الذي ينعم به المغرب.”

هذا التأكيد يصنع من المغرب تجربة فريدة، حيث تتحول الحكمة الملكية إلى أمان جماعي يحصن البلاد ضد التقلبات والعواصف. استمرارية تمنح المغاربة يقينا وجوديا بأن حاضرهم ومستقبلهم يقف على أرض صلبة من الإنجاز والثقة في مؤسسات البلاد.

لكن تلك الثقة، كما يحذر الملك، ليست تبريرا للاكتفاء الذاتي أو غض الطرف  عن معاناة الشرائح الهشة أو المناطق البعيدة:

“لن أكون راضيا مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تساهم بشكل ملموس في تحسين ظروف عيش المواطنين من كل الفئات الاجتماعية، وفي جميع المناطق والجهات.”

تكمن القوة هنا حين يصبح العرش قلقا بهموم الهامش ويرفض مغرب “بسرعتين”. تتعالى كل فقرات الخطاب بالدعوة لوحدة المصير والسعي إلى عدالة أكبر تشمل الجميع.

أدبيا، يمزج الخطاب بين العقل والوجد. يقول: “هدفنا أن تشمل ثمار التقدم والتنمية كل المواطنين في جميع المناطق والجهات دون تمييز أو إقصاء.” وكأن التنمية حلم جماعي يلزمنا فيه القوي والضعيف، المركز والهامش، عقل السياسة وعاطفة الانتماء.

أما فلسفة الجوار المغاربي، فتشرق بوضوح في عبارات الملك حول الجزائر:

“نؤكد التزامنا بالانفتاح على محيطنا الجهوي وخاصة جوارنا المباشر في علاقتنا بالشعب الجزائري الشقيق. وبصفتي ملك المغرب فإن موقفي واضح وثابت؛ وهو أن الشعب الجزائري شعب شقيق، تجمعه بالشعب المغربي علاقات إنسانية وتاريخية عريقة، وتربطهما أواصر اللغة والدين والجغرافيا والمصير المشترك.”

الملكية هنا تتعالى على منطق النزاع العابر، وتستلهم عمق الروابط التاريخية: هدنة مع الذات قبل ان تكون هدنة مع الآخر.

هنا، يمدد الخطاب هذه القيمة قائلا:

“حرصت دوما على مد اليد لاشقائنا في الجزائر ، وعبرت عن استعداد المغرب لحوار صريح ومسؤول؛ حوار أخوي وصادق حول مختلف القضايا العالقة بين البلدين. وإن التزامنا الراسخ باليد الممدودة لاشقائنا في الجزائر نابع من إيماننا بوحدة شعوبنا، وقدرتنا سويا على تجاوز هذا الوضع المؤسف.

هكذا يطل العرش بوصفه ضمير المنطقة المغاربية: يطوي مرارة الماضي ويستبشر بمستقبل يصنعه أبناء الضفتين، بإيمان أن المغرب القوي لا يكتمل إلا بجواره القوي والمتصالح.

فالخطاب الملكي وثيقة أدبية وفلسفية تنحت علاقة استثنائية بين المغاربة والملكية، وبين المغرب وجيرانه،  علاقة أمن وجداني، وانتماء يتجدد، وروح تحرس المصير المشترك، حيث العرش ليس موضع سلطة بل حارس القلق الجماعي والأمل الدائم في غد أعدل وأجمل.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...