Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الجديدة تُعيد للرواية سؤالها… احتفاء فكري بعبد العزيز بنار بين النصّ والهوية

في مساءٍ من مساءات الجديدة حيث حلقت روح الادب في محراب التاريخ، احتضن مسرح الحي البرتغالي، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، لقاءً ثقافيًا لم يأتِ ليُقدّم كتابًا فحسب، بل ليضع الرواية العربية في مواجهة أسئلتها. لم يكن الأمر إعلانًا عن إصدار جديد بقدر ما كان استدعاءً هادئًا لمعنى الكتابة حين تتجاوز الحكي إلى الفهم.
اللقاء خُصّص لتقديم وتوقيع كتاب «الرواية العربية المعاصرة: الذات والهوية والتاريخ» للدكتور عبد العزيز بنار، في تنظيم مشترك بين مؤسسات ثقافية وفاعلين في الحقل الأدبي والإعلامي. غير أن ما جرى داخل القاعة سرعان ما تجاوز الإطار التنظيمي، ليأخذ شكل لحظة ثقافية مشحونة، حيث يتحول النص من موضوع للعرض إلى موضوع للتفكير.
القاعة امتلأت، لكن الامتلاء هنا لم يكن عدديًا فقط. كان حضورًا نوعيًا، من أساتذة وباحثين ونقاد وشعراء وفنانين وطلبة، بعضهم جاء من داخل المدينة وآخرون من خارجها، لكنهم التقوا جميعًا عند نقطة واحدة: الرغبة في الإصغاء. لم يكن الجمهور متفرّجًا، بل شريكًا صامتًا في بناء المعنى. ولعلّ أكثر ما لفت الانتباه هو ذلك الإصرار الجماعي على البقاء حتى النهاية، بل إلى حين إغلاق الأبواب، في مشهد نادر يكشف أن ما يُقدَّم يستحق زمنه.
أدار اللقاء الدكتور محمد أيت الطالب، محافظًا على خيط النقاش دون أن يُثقله، فيما تعاقبت مداخلات الدكتورة أمينة كاوني، والدكتور هشام موساوي، والدكتور أحمد الجريطي، والدكتور عبد الرزاق حميد. لم تكن المداخلات خطبًا جاهزة، بل قراءات تُفكّر في النص من داخله، تُقارب بنيته دون أن تُصادر أسئلته، وتضيء مساراته دون أن تُغلقها.
الرواية، في هذا السياق، لم تُطرح كجنس أدبي فقط، بل كفضاء لإعادة بناء العلاقة بين الذات والعالم. أسئلة كانت تتحرك في العمق: كيف تُكتب الذات في زمن متشظٍ؟ كيف تُصاغ الهوية داخل سرد يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية؟ وأيّ تاريخ هذا الذي تستحضره الرواية: أهو ما حدث فعلًا، أم ما كان يمكن أن يحدث؟
لم تكن الإجابات جاهزة، وربما لم يكن المطلوب أن تكون كذلك. كان الأهم أن تُطرح الأسئلة كما ينبغي لها أن تُطرح: بقلق معرفي، وبقدر من الشك المنتج.
في لحظة موازية، انفتح اللقاء على الشعر والموسيقى، عبر قراءات للشاعر سمير الناجي، والشاعرة فاطمة لبلو، والشاعر مصطفى ككاوي، وفقرات موسيقية للفنان إلياس جابر. هنا، بدا الأدب وكأنه يستعيد وحدته الأولى، حيث لا تنفصل الأجناس، بل تتجاور لتقول ما تعجز اللغة الواحدة عن احتوائه.
وحين جاء دور عبد العزيز بنار، لم يتحدث كصاحب عمل مكتمل، بل ككاتب ما يزال داخل نصّه. اختار أن لا يشرح كتابه، بل أن يفتح نوافذه. تحدث بهدوء، دون ادعاء، كأن كلماته امتداد لما كُتب، لا تعليقًا عليه. كان واضحًا أن مشروعه النقدي لا يبحث عن أجوبة نهائية، بل عن أسئلة أدق.
خارج المنصة، كان مشهد آخر يتشكل: نسخ الكتاب تُقتنى بسرعة، تُوقّع، وتنتقل من يد إلى أخرى، في ما يشبه رغبة جماعية في الاحتفاظ بشيء من تلك اللحظة. لم يكن ذلك سلوكًا استهلاكيًا، بل تعبيرًا عن تعطّش للمعنى، وعن ثقة في أن النص ما يزال قادرًا على أن يُقرأ.
ومع إعلان نهاية اللقاء، لم تنتهِ اللحظة. بقي الحضور، تشكّلت دوائر صغيرة من النقاش، تبادلت فيها الآراء والانطباعات، كأن الفعل الثقافي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء البرنامج الرسمي.
في المحصلة، بدت الجديدة كأنها تُنصت إلى ذاتها وهي تتشكل في مرآة الرواية. القاعة التي امتلأت بالوجوه، امتلأت أكثر بالأسئلة؛ أسئلة خرجت مع الحاضرين ولم تتركهم عند الباب.

انطفأت الأضواء، وبقي الأثر. شيء خفيّ ظلّ يعمل في الداخل، يُعيد ترتيب العلاقة بين القارئ والنص، بين ما يُقال وما يُترك معلقًا.

هكذا غادرت الرواية المكان، لا ككتابٍ يحمل توقيع صاحبه، بل كأثرٍ مفتوح، كفكرة تمشي بين الناس، وتواصل حياتها بعيدًا عن المنصة… حيث يبدأ المعنى في التشكّل من جديد.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...