مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليست التحولات الكبرى في القضايا الوطنية دائما وليدة قرار يصدر عن مؤسسة دولية، ولا تقاس الانتصارات الاستراتيجية بالضرورة بعدد الأصوات المؤيدة أو المعارضة داخل مجلس الأمن. ففي بعض اللحظات، تكون أهمية الحدث كامنة في ما يكشفه من تغير في موازين التفكير السياسي، وفي عجز الصيغ القديمة عن إنتاج المستقبل، وفي انتقال الدولة المعنية بالقضية من موقع الدفاع عن شرعية موقفها إلى محاولة إعادة صياغة الشروط التي يناقش ضمنها ذلك الموقف.
من هذه الزاوية، تبدو التطورات التي عرفها ملف الصحراء المغربية يوم 30 أكتوبر 2026، وتزامنها مع تخليد المغرب عيد الوحدة، لحظة تستحق قراءة تتجاوز الحسابات الدبلوماسية المباشرة. فالأمر لا يتعلق فقط بما جرى داخل مجلس الأمن، بل بما يمكن أن يعنيه ذلك بالنسبة إلى مسار نزاع ظل، لأكثر من ثلاثة عقود، محكوما بمنطق التدبير الأممي، وبالتوازنات الدولية، وبمعادلة سياسية لم تنجح في إنتاج تسوية نهائية.
لقد وجد المغرب نفسه أمام لحظة سياسية ذات دلالة خاصة، بعدما تعثر اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي بشأن مستقبل بعثة المينورسو، في سياق اعتبرته الرباط مؤشرا على ضرورة الانتقال من إدارة النزاع إلى العمل على إنهائه. وجاء الموقف المغربي، كما عبر عنه بلاغ الديوان الملكي، حاملا دعوة واضحة إلى تجاوز الاجتماعات الدورية التي ظلت تؤطر القضية داخل مجلس الأمن، وإلى الانتقال نحو مرحلة جديدة لا يكون فيها الملف رهينا بإعادة إنتاج النقاش نفسه كل سنة.
غير أن القراءة العميقة لهذه اللحظة تقتضي التمييز بين نهاية صيغة من صيغ التدبير وبين اكتمال شروط التسوية. فالتاريخ الدبلوماسي لا يتحرك دائما في خطوط مستقيمة، والفرص التي تفتحها التحولات الدولية قد تتحول إلى مكاسب استراتيجية، كما قد تتعثر إذا لم تجد ما يسندها من وضوح سياسي، ومبادرة دبلوماسية، وبناء مؤسساتي قادر على تحويل المواقف إلى واقع.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط ما إذا كان ملف الصحراء قد دخل مرحلة جديدة، بل ما إذا كان المغرب قادرا على جعل هذه المرحلة مختلفة فعلا عن سابقاتها، بحيث لا يكون الانتقال مجرد تغيير في أدوات التدبير، وإنما تحولا في طبيعة المسار المؤدي إلى الحل.
منذ اعتراف الولايات المتحدة سنة 2020 بسيادة المغرب على الصحراء، لم يعد الموقف الأمريكي مجرد عنصر إضافي في رصيد الدبلوماسية المغربية، بل أصبح أحد المؤشرات الأساسية على التحول الذي عرفته مقاربة عدد من القوى الدولية لهذا الملف. غير أن ما جرى في مجلس الأمن يؤكد أن الاعتراف السياسي، مهما بلغت أهميته، لا يتحول تلقائيا إلى تسوية دولية مكتملة، وأن المسافة بين دعم مقترح الحكم الذاتي وتكريس حل نهائي تظل محكومة بحسابات أوسع من مجرد إعلان المواقف.
لقد حمل المشروع الأمريكي توجها واضحا نحو جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للمفاوضات، مع إعادة النظر في طبيعة المينورسو ومهامها، بما يعكس اقتناعا متزايدا بأن الصيغة التي تأسست سنة 1991 لم تعد قادرة على إنتاج أفق سياسي قابل للتحقق. وحصول المشروع على تأييد أحد عشر عضوا من أصل خمسة عشر، قبل إسقاطه بالفيتو الروسي، يكشف عن اتساع دائرة القبول الدولي بالمقاربة التي تدفع نحو حل سياسي واقعي، لكنه يكشف في الوقت نفسه حدود هذا التحول داخل نظام دولي لا تزال فيه إرادة القوى الكبرى قادرة على تعطيل ما تؤيده الأغلبية.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن واشنطن لا تتحرك في ملف الصحراء بمنطق الاعتبارات المغربية وحدها، وإنما ضمن رؤية استراتيجية ترتبط بالاستقرار الإقليمي، وبموقعها في شمال إفريقيا والساحل، وبعلاقاتها مع حلفائها، وبمنافسة النفوذ الروسي والصيني. ولذلك، فإن دعمها للحكم الذاتي يظل جزءا من تصور أوسع لإعادة ترتيب التوازنات، وليس تفويضا مفتوحا للمغرب كي يعتبر أن التسوية أصبحت مسألة وقت أو إجراء.
إن الرهان المغربي الحقيقي لا يكمن في الاكتفاء بالدعم الأمريكي، بل في تحويله إلى أرضية لتوسيع التوافق الدولي، وإقناع الأطراف المعنية بأن الحكم الذاتي ليس مجرد مقترح تفاوضي، وإنما إطار سياسي قابل للتنفيذ، يضمن الاستقرار ويحفظ الكرامة ويمنح سكان الأقاليم الجنوبية دورا أساسيا في تدبير شؤونهم.
أما روسيا، فقد كشفت من خلال استخدامها حق النقض ضد المشروع الأمريكي أن التحول في المواقف الدولية لا يعني اختفاء المصالح المتعارضة، ولا نهاية قدرة القوى الكبرى على توظيف الملفات الإقليمية ضمن حساباتها العالمية. فموسكو بررت اعتراضها بكون الصيغة الأمريكية تسبق نتائج التفاوض وتؤثر في مبدأ تقرير المصير، قبل أن تقدم مشروعا بديلا يدعو إلى تمديد ولاية المينورسو سنة إضافية، لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل معارضة أمريكية وامتناع أحد عشر عضوا.
والدلالة الأساسية هنا أن روسيا استطاعت تعطيل المسار الذي اقترحته واشنطن، لكنها لم تتمكن من بناء توافق دولي حول البديل الذي طرحته. لقد منعت مشروعا من التحول إلى قرار، من دون أن تنجح في إعادة تثبيت الصيغة السابقة باعتبارها الخيار الذي يحظى بالأغلبية.
وهذا فارق مهم في قراءة الموقف الروسي. فالفيتو ليس بالضرورة تعبيرا عن امتلاك تصور قابل للتطبيق، كما أن القدرة على تعطيل المبادرات لا تعني القدرة على إنتاج التسوية. وفي سياق التنافس الدولي الراهن، قد يصبح ملف الصحراء جزءا من معركة أوسع حول من يملك حق تحديد قواعد الحل، ومن يستطيع تحويل نفوذه داخل مجلس الأمن إلى نفوذ سياسي خارج قاعته.
ولذلك، فإن اختزال الموقف الروسي في انتصار للخصوم أو اعتباره مجرد موقف عابر سيكون قراءة قاصرة. إنه يكشف أن الطريق نحو التسوية لا يزال يمر عبر شبكة معقدة من المصالح الدولية، وأن المغرب، وهو يراكم مكاسبه، مطالب بتوسيع دائرة الشركاء، وبناء خطاب دبلوماسي قادر على مخاطبة مختلف القوى من دون أن يتحول الملف إلى ساحة لتصفية الحسابات بينها.
أما المنتظم الدولي، فقد أظهر مرة أخرى أن الأغلبية السياسية داخل مجلس الأمن لا تكفي وحدها لصناعة القرار، وأن النظام الدولي، رغم ما يعلنه من مبادئ وقواعد، يظل محكوما بامتيازات القوة وبالتوازنات التي أرستها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فالمشروع الأمريكي حظي بأغلبية واضحة، لكنه لم يعبر إلى القرار، فيما لم يستطع المشروع الروسي استعادة الصيغة السابقة، رغم تمسك موسكو بها.
وبين الموقفين، بدت الصين حريصة على عدم الانخراط في صيغة تعتبرها غير متوازنة، بينما دعمت فرنسا وبريطانيا التوجه الأمريكي، مع التعبير عن مخاوف من تداعيات إنهاء البعثة بصورة مفاجئة على الاستقرار والمسار السياسي.
إن ما تكشفه هذه الصورة هو أن الملف لم يعد يتحرك فقط داخل ثنائية المغرب والجزائر، أو داخل حدود التنافس الإقليمي، بل أصبح مرتبطا أيضا بإعادة تشكيل العلاقة بين القوى الكبرى، وبمستقبل دور الأمم المتحدة في النزاعات الممتدة، وبحدود قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على إنتاج حلول حين تتعارض مصالح أصحاب القرار.
ومع ذلك، فإن تعثر مجلس الأمن لا ينبغي أن يقرأ باعتباره نهاية المرجعية الدولية، كما أن انتهاء ولاية بعثة أممية، إن تحقق، لا يعني تلقائيا حسم النزاع قانونيا أو زوال كل الالتزامات المرتبطة به. فهناك فرق بين إنهاء آلية من آليات التدبير، وبين إغلاق ملف سياسي وقانوني ظل موضوع قرارات ومفاوضات ومواقف دولية متراكمة.
ومن هنا، فإن قوة الموقف المغربي لا تكمن في إعلان نهاية الملف قبل اكتمال شروطها، بل في القدرة على تثبيت اتجاه التحول، وتوسيع الاعتراف الدولي، وتحويل الحكم الذاتي إلى مشروع سياسي ومؤسساتي متكامل، تتوفر له شروط الإقناع والتنفيذ.
في هذا السياق، يكتسب تزامن هذه التطورات مع عيد الوحدة دلالة تتجاوز المصادفة الزمنية. فالمناسبة لا تستحضر فقط وحدة التراب الوطني، وإنما تفتح سؤالا أعمق حول معنى الوحدة في مرحلة تتغير فيها طبيعة التحديات. وإذا كان المغرب قد خاض لعقود معركة تثبيت وحدته الترابية، فإن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من الدفاع عن الوحدة إلى بناء شروط استدامتها، ومن تأكيد السيادة إلى ترجمتها في التنمية والحقوق والفرص.
لقد حمل عيد الوحدة، في رمزيته السياسية، رسالة مفادها أن المغرب يريد تجاوز منطق تدبير النزاع إلى منطق بناء الحل. لكن هذا الانتقال لا يمكن أن يتحقق بالدبلوماسية وحدها، مهما بلغت قوتها، ولا بالاحتفاء بالمكاسب الدولية فقط. إنه يحتاج إلى مشروع وطني يجعل الأقاليم الجنوبية نموذجا في العدالة المجالية، وفي جودة الخدمات العمومية، وفي الاستثمار المنتج، وفي المشاركة السياسية الفعلية.
فالوحدة الترابية، في معناها العميق، ليست مجرد حقيقة جغرافية أو موقف دبلوماسي، بل عقد سياسي واجتماعي يتجدد باستمرار. وهي تكتمل حين يشعر المواطن بأن الانتماء إلى الوطن يترجم إلى كرامة وفرص متكافئة، وحين تصبح المؤسسات قادرة على الإنصات والتدبير والمحاسبة، وحين يتحول الإجماع الوطني حول القضية إلى قوة بناء لا إلى مجرد شعار تعبوي.
وهنا تحديداً تتضح المسؤولية التي تفرضها المرحلة على المغرب. فإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت تراكم مكاسب مهمة في الاعتراف بمغربية الصحراء وبجدية مبادرة الحكم الذاتي، فإن التحدي المقبل يتمثل في تقديم نموذج متكامل للحكم الذاتي، واضح في مؤسساته واختصاصاته وضماناته، وقادر على استيعاب التنوع المحلي ضمن وحدة الدولة وسيادتها.
إن قوة أي مقترح سياسي لا تقاس فقط بما يحظى به من دعم خارجي، وإنما أيضا بقدرته على إقناع المعنيين به، وبما يوفره من ضمانات للمشاركة والتمثيل والتنمية. ومن ثم، فإن المرحلة الجديدة تقتضي الانتقال من الدفاع عن المبادرة المغربية إلى تطوير شروطها العملية، ومن تقديمها إلى المنتظم الدولي باعتبارها حلا واقعيا، إلى جعلها مشروعا قابلا للتنفيذ، يستند إلى مؤسسات فعالة وإرادة سياسية واضحة.
كما تفرض هذه المرحلة على الدبلوماسية المغربية مواصلة العمل متعدد المسارات، وعدم اختزال التحول الدولي في مواقف عدد من العواصم، أو التعامل مع التوازنات الراهنة باعتبارها ثابتة ونهائية. فالمواقف الدولية تتغير، والتحالفات تعاد صياغتها، والملفات الإقليمية قد تستعيد موقعها في حسابات القوى الكبرى كلما تغيرت أولوياتها.
ومن هنا، فإن النجاح الحقيقي سيكون في تحويل الدعم المتراكم إلى توافق أوسع، وفي الحفاظ على وضوح المبادئ مع مرونة الأدوات، وفي التعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة بناء تسوية، لا مجرد مرحلة الاحتفال بتراجع صيغة سابقة.
لقد أظهر يوم 30 أكتوبر 2026 أن المغرب بات أمام فرصة سياسية مهمة، لكنه وضعه أيضا أمام امتحان أكثر تعقيدا. فالمكاسب الدبلوماسية لا تصبح نهائية بمجرد تسجيلها، وإنما حين تتحول إلى واقع سياسي ومؤسساتي يصعب التراجع عنه، وحين يصبح الحل أكثر إقناعا من استمرار النزاع، وأكثر قدرة على إنتاج الاستقرار من إعادة تدوير الخلافات.
ولعل الدلالة الأعمق لتزامن هذه اللحظة مع عيد الوحدة تكمن في أن الوحدة لم تعد فقط موضوعا للدفاع، بل أصبحت مسؤولية في بناء المستقبل. فالمغرب الذي يطمح إلى طي ملف الصحراء يحتاج إلى أن يجعل من الأقاليم الجنوبية فضاء لتجسيد نموذج تنموي وسياسي يعكس معنى السيادة في حياة المواطنين، ويمنح الأجيال القادمة أسبابا ملموسة للثقة في الدولة وفي المستقبل.
إن نهاية زمن تدبير النزاع، إذا كانت قد بدأت بالفعل، لن تقاس بإغلاق باب في مجلس الأمن، ولا بتراجع دور بعثة أممية، وإنما بقدرة المغرب على فتح أفق سياسي جديد، تتراجع فيه أسباب النزاع أمام قوة الحل، وتصبح فيه الوحدة الترابية أساسا لوحدة التنمية والحقوق والفرص وأن تدار قضية الصحراء المغربية من قضية دولية إلى قضية يصنع حلها وطنيا. فالوحدة ليست فقط ما ندافع عنه، بل ما ننجح في تحويله إلى مستقبل مشترك.
