Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الجزائر والمغرب… عندما يرهق الماضي حاضر الأمة

في لحظة إقليمية مشحونة بالتحولات، لم يعد الصمت خيارا سياسيا، ولا العداء ضمانة للأمن.

المصالحة بين الجزائر والمغرب لم تعد ترفا دبلوماسيا، بل شرطا لبقاء المنطقة على خريطة المستقبل.

إن الشعوب التي تشترك في اللغة والدين والتاريخ لا يليق بها أن تتناحر في التفاصيل، بينما العالم من حولها يكتب فصوله القادمة بالعقل والمصالح.

إن الأوان قد آن ليفتح البلدان صفحة جديدة، عنوانها الواقعية، الحكمة، واليد الممدودة.

يبدو أن التاريخ في منطقتنا المغاربية لم يتحول بعد إلى ذاكرة تلهم المستقبل، بل ما يزال عبئا يثقل الحاضر ويقيد خياراته.

فالعلاقة بين الجزائر والمغرب، بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال، لم تتجاوز منطق “العداء الموروث”، ولم تنجح في بناء رؤية جديدة تنطلق من الحقائق المتغيرة لا من الصور القديمة.

المشكلة ليست في الجغرافيا ولا في الحدود، بل في العقل السياسي الذي جعل من الخلاف منهجا للدولة.

فقد اختارت الجزائر، منذ عقود، أن تقيم سياستها الخارجية على أساس “التمييز العدائي” تجاه الجار الغربي، وربطت مواقفها وتحالفاتها الاقتصادية والعسكرية وفق تلك البوصلة.

وهذا نهج يكاد يكون استثناء في عالم تجاوز منذ زمن منطق “الخصومة الدائمة” نحو عقلانية المصالح المشتركة.ليس من الحكمة أن تبقى دولة أسيرة سردية تاريخية لا تجد فيها خلاصا. فالدول التي تتعامل مع الماضي كجدار عازل، لا كدرس تعليمي، تدور في حلقة مفرغة من التوتر والشك.

لقد قال المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي: الأمم التي لا تتصالح مع ماضيها تعاقب بتكراره.”

ويبدو أن منطقتنا تدفع اليوم ثمن هذا التكرار، إذ تحول الخلاف السياسي إلى جزء من الهوية الوطنية، بدل أن يكون اختلافا طبيعيا يمكن تجاوزه بالحوار والمصالح.

ولعل ما قاله الملك الراحل الحسن الثاني يوجز مأساة هذا الانغلاق حين صرح في أحد حواراته:

المشكل بين المغرب والجزائر ليس في الحدود، بل في العقول التي ما زالت تعيش في زمن الحرب الباردة.”

كانت تلك رؤية مبكرة لقائد أدرك أن الجغرافيا لا تتغير، وأن بناء المستقبل لا يتم بخنادق الماضي.

في أوروبا، قتل الملايين في حروب طاحنة بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا، ومع ذلك استطاعت هذه الأمم أن تحول العداء إلى شراكة، وأن تبني اتحادا يقوم على الثقة والمصالح المتبادلة.

لقد قال المستشار الألماني الأسبق فيلي برانت ذات يوم: من لا يتعلم من التاريخ، يجبر على تكراره.”

أما في منطقتنا، فبعد ستين عاما من الاستقلال، ما زال “الاتحاد المغاربي” مجرد فكرة مؤجلة، وما زالت الحدود مغلقة بين بلدين يجمعهما أكثر مما يفرقهما.

منذ إغلاق الحدود عام 1994، خسر البلدان عشرات المليارات من الدولارات في فرص اقتصادية ضائعة.

تقدر تقارير اقتصادية أن التكامل المغاربي كان يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي لكل بلد بنسبة تفوق 2% سنويا.

لكن العناد السياسي ظل أقوى من منطق التنمية، وكأن الخصومة غاية في ذاتها.

وكما قال هنري كيسنجر: حين تنفصل السياسة عن الواقعية، تتحول إلى شكل من أشكال الأيديولوجيا.”

لقد مد المغرب أكثر من مرة يده للحوار وإعادة بناء الثقة، في خطابات رسمية اتسمت بالهدوء والمسؤولية.

يقول الحسن الثاني في مذكراته ذاكرة ملك:

ليس في السياسة عيب أن تمد يدك لمن أساء إليك، العيب أن تبقى أسيرا لمرارة الإساءة.”

بهذه الروح خاطب التاريخ والجغرافيا معا، حين كان يؤمن أن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا بمصالحة حقيقية بين الأشقاء، لا بمجرد بيانات دبلوماسية.

ولو أن الطرفين بذلا عشر ما أنفقاه في “حرب الرموز” والخطابات في مسار المصالحة، لكانت المنطقة اليوم قطبا اقتصاديا إفريقيا فاعلا، لا ساحة للتنافر السياسي.

لقد قال الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة عام 1964: الوحدة لا تبنى على العواطف، بل على المصالح التي تدوم.”

وهو درس ما زال صالحا لكل من يعتقد أن الكرامة الوطنية تصان بالتباعد لا بالتعاون، وأن الصلح ضعف لا بصيرة.

العالم من حولنا يتغير بسرعة مذهلة. فالتحولات في الساحل الإفريقي، سباق القوى الكبرى على الموانئ والطاقة، وعودة “الاستعمار الاقتصادي” في شكله جديد. في هذا السياق، يصبح استمرار القطيعة بين الجزائر والمغرب ترفا لا تقدر عليه المنطقة، بل خطرا على مستقبلها وموقعها الجيوسياسي.

إن المطلوب اليوم ليس وساطة دولية ولا بيانات دبلوماسية متبادلة، بل قرار شجاع يعيد تعريف المصلحة الوطنية.

فالتحاور لا يعني التنازل، والمصالحة لا تعني النسيان، بل هي فعل وعي تاريخي، يضع الشعوب قبل الحسابات الضيقة.

وقد لخص الحسن الثاني هذه الفلسفة السياسية بعبارته الشهيرة:

السياسة ليست أن تنتصر على خصمك، بل أن تمنع العداء من أن يتحول إلى قدر محتوم.”

لن تبنى نهضة مغاربية ما دامت دولها تقتات على خطاب العداء المتبادل. فالصلح ليس ضعفا، كما يظن المتوجسون، بل تعبير عن ثقة في الذات وقدرة على تجاوز الجراح. والتاريخ لا يرحم من يصر على اجتراره دون أن يتعلم منه.

لقد قال نيلسون مانديلا يوما: إن الشجاعة الحقيقية لا تكون في الانتقام، بل في القدرة على الغفران.”

ولعل تلك هي الرسالة التي يحتاجها المغرب والجزائر اليوم، كي لا يرهق الماضي حاضر الأمة، ولا يرهق الحاضر مستقبلها.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...