مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
آخر خبر
لم يعد الارتفاع المتواصل لسعر اليورو في السوق الموازية بالجزائر مجرد ظاهرة ظرفية أو موجة عابرة، بل أصبح مؤشرا واضحا على اختلال هيكلي بين الطلب المتزايد على العملات الأجنبية والعرض المحدود داخل القنوات الرسمية.
في الواقع، لا يزال الحصول على العملة الصعبة خاضعا لقيود صارمة. فقد حددت المنحة السياحية عند 750 يورو سنويا للبالغين و300 يورو للقصر، تمنح مرة واحدة سنويا بشروط محددة. غير أن هذا المبلغ يبدو بعيدا جدا عن التكاليف الحقيقية للسفر إلى الخارج، حيث إن أسعار تذاكر الطيران والإقامة والنقل والمعيشة في العديد من الدول قد تستهلك هذا المبلغ في يوم أو يومين فقط.
هذا التفاوت يدفع شريحة واسعة من الجزائريين إلى اللجوء للسوق الموازية، حيث تتداول العملات الأجنبية بأسعار تفوق بكثير السعر الرسمي. وهكذا يجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة: صعوبة في الحصول على العملة بشكل قانوني، وارتفاع تكلفتها بشكل كبير في السوق غير الرسمية.
وتتفاقم هذه الضغوط مع عوامل ظرفية، أبرزها اقتراب موعد كأس العالم المرتقب تنظيمه خلال أسابيع في الولايات المتحدة. إذ يسعى عدد متزايد من المشجعين إلى تأمين العملات الأجنبية، خاصة اليورو والدولار، لتغطية تكاليف السفر والإقامة، ما يزيد الطلب على سوق يعاني أصلاً من اختلالات واضحة.
والمفارقة أن الجزائر تعد من كبار مصدري الطاقة، حيث تحقق عائدات ضخمة من صادرات الغاز والنفط، وهي موارد تباع بالعملات الصعبة. نظريا، كان من المفترض أن ينعكس ذلك على سهولة أكبر في توفير العملات الأجنبية للمواطنين. غير أن الواقع يطرح تساؤلات جدية حول كيفية إدارة هذه الموارد، في ظل استمرار القيود المفروضة على الأفراد.
جزء من التفسير يكمن في الاعتماد الكبير على الاستيراد. فالعديد من الاحتياجات الأساسية، مثل المواد الغذائية والأدوية والتجهيزات الصناعية وقطع الغيار، تسدد بالعملة الصعبة. ويبدو أن السلطات تعطي الأولوية لهذه النفقات على حساب الطلب الفردي، ما يؤدي إلى استنزاف مستمر للاحتياطات من العملات الأجنبية.
إلى جانب ذلك، تظل احتياطات الصرف عاملاً حساساً في السياسات الاقتصادية. فرغم تحسنها النسبي بعد فترات من التراجع، إلا أن الحذر في إدارتها يدفع إلى الإبقاء على قيود صارمة على خروج العملة. غير أن هذه السياسة الدفاعية تفرز نتيجة عكسية، إذ تعزز من توسع السوق الموازية كلما زادت القيود الرسمية.
عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في ضعف الثقة في النظام البنكي. إذ يفضل كثير من المواطنين الاحتفاظ بمدخراتهم باليورو أو الدولار خارج القنوات الرسمية، خوفا من تآكل قيمتها أو التعرض لتعقيدات إدارية. هذه الظاهرة تقلل من حجم السيولة المتداولة من العملات الأجنبية داخل النظام الرسمي، وتمنح السوق الموازية دورا أكبر.
في المحصلة، فإن ارتفاع اليورو في الجزائر لا يعكس فقط حركة مضاربة، بل يكشف عن اقتصاد مزدوج: قطاع رسمي مقيد ومنظم، وآخر غير رسمي مرن أصبح، بالنسبة للكثيرين، الوسيلة الوحيدة لتلبية الاحتياجات الفعلية.
وما دام هذا التباين قائما بين مداخيل البلاد من العملة الصعبة، واحتياجات المواطنين، والقيود المفروضة على السوق الرسمية، فإن أسعار العملات الأجنبية ستواصل ارتفاعها في السوق الموازية. ويبقى السؤال الجوهري مطروحا: كيف تدار فعليا ثروة بلد غني بالموارد الطاقوية؟
