مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
قضية الصحراء المغربية ليست مجرد نزاع إقليمي، بل تجربة تاريخية امتدت لعقود، تتقاطع فيها السياسة الوطنية مع التحديات الإقليمية والدولية.
قال الراحل أحمد بن محمد السويسي في وصفه للوطن أنه “ليس حيزا جغرافيا فقط، بل تاريخ وتضامن وأمل مشترك”.
في يوم الإثنين 10 نونبر 2025، شهد الديوان الملكي لقاء بارزا جمع مستشاري الملك، السادة الطيب الفاسي الفهري، عمر عزيمان، وفؤاد عالي الهمة، مع زعماء الأحزاب الوطنية الممثلة بمجلسي البرلمان، بحضور وزيري الداخلية والخارجية. وقد خصص هذا الاجتماع بأمر سام من جلالة الملك محمد السادس، لتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية في إطار السيادة المغربية، تنفيذا لخطاب جلالته السامي إلى الشعب المغربي بتاريخ 31 أكتوبر 2025، وبعد صدور قرار مجلس الأمن 2797.
هذا اللقاء ليس حدثا بروتوكوليا عاديا؛ بل هو محطة استراتيجية في مسار طويل من التوازن بين الثوابت الوطنية والرهانات الدولية المعقدة. كما قال المفكر المغربي الطاهر بنجلون: “الأمة التي لا تعرف جذورها لا تستطيع أن تصنع مستقبلها”، وهو ما يبرزه هذا الاجتماع الذي يجمع التاريخ بالمستقبل، والذاكرة السياسية بالاستراتيجية الواقعية.
لقد أبرز البلاغ الملكي حرص جلالة الملك على المقاربة التشاركية والتشاورية الواسعة، إذ دعا مستشاروه زعماء الأحزاب لتقديم تصورات ومقترحات منظمة حول تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي. هذه المقاربة تعكس فهم المغرب أن السيادة الوطنية ليست مجرد سلطة، بل التزام شامل يضمن مشاركة كافة القوى الوطنية في صنع القرار.
في هذا السياق، يمكن الاستشهاد بجان جاك روسو الذي قال في كتابه “العقد الاجتماعي”: “السيادة لا تنفصل عن إرادة الشعب واعتباره شريكا في اتخاذ القرار”، ومقاربة المغرب اليوم ترجمته عمليا، إذ تتوافق مع فلسفة الديمقراطية التشاركية والتوازن بين الدولة والمجتمع.
كما يمكن قراءة هذا الاجتماع في ضوء تجربة المغرب الحديثة في إدارة الملفات الحساسة: منذ استقلال المغرب، كان التشارك مع القوى الوطنية والاعتراف بدور المؤسسات السياسية هو النهج لضمان الاستقرار الداخلي وتوحيد الرؤية الوطنية.
فالقرار الملكي وتصريحات البلاغ الرسمي يؤكدان أن الحكم الذاتي هو الحل الواقعي والقابل للتطبيق للنزاع الصحراوي. هذه المبادرة تمثل مشروعا تاريخيا واستراتيجيا، يجمع بين السيادة الوطنية وحق السكان المحليين في المشاركة في تدبير شؤونهم.
كما قال المفكر البريطاني أرنولد توينبي: “الأزمات التاريخية لا تحل إلا بفهم جدلي للواقع، وبمشاركة جميع الأطراف الفاعلة في صناعة الحل”. الحكم الذاتي المغربي هو تجسيد حي لهذه المقاربة: حل سياسي واقعي، يستند إلى التاريخ، ويستوعب متطلبات الحاضر، ويضمن المصالح الوطنية العليا.
اللقاء الملكي عزز هذا التوجه، إذ أبلغ مستشارو الملك زعماء الأحزاب ضرورة رفع مقترحات مكتوبة في أقرب الآجال. وهذا يمثل انتقالا من مرحلة النقاش العام إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ الواقعي.
إضافة إلى البعد السياسي والاستراتيجي، يحمل الحكم الذاتي بعدا إنسانيا وفلسفيا. إذ يسعى إلى لم شمل الأسر وفك عزلة المخيمات، وتمكين سكان الصحراء من المشاركة في حياتهم اليومية والسياسية ضمن إطار المغرب الموحد.
في هذا السياق، يمكن الاستشهاد بإيمانويل كانط الذي أكد: “الإنسانية ليست مجرد حقوق، بل واجب تجاه الآخر”. المغرب اليوم يجسد هذه الفلسفة عبر سياسات تحترم كرامة السكان وحقهم في المشاركة، مع الحفاظ على وحدة الوطن وسيادته.
واستجابة للدعوة الملكية، أكد زعماء الأحزاب الحاضرة تجنيدهم الدائم تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك وتأييدهم للمبادرات الملكية. هذه اللحظة تؤكد قدرة المغرب على جمع مختلف المكونات السياسية حول مشاريع وطنية كبرى، وهو اختبار عملي لما ذكره هنري كيسنجر: “النجاح في السياسة ليس في السيطرة، بل في القدرة على خلق توافق بينالأطراف المختلفة”.
اللقاء أظهر أن المغرب قادر على تجاوز الحسابات الضيقة، وإعلاء المصلحة الوطنية، بما يعكس نضج الدولة المغربية والوعي السياسي للأحزاب والمجتمع المدني.
إن اللقاء الملكي يذكرنا بأن الذاكرة التاريخية للأمة هي مصدر قوتها في مواجهة التحديات. المغرب منذ الاستقلال واجه ضغوطا داخلية وخارجية، لكنه استطاع دائما الحفاظ على وحدته الترابية بفضل السيادة، والذكاء السياسي، والمقاربة التشاركية. كما كتب المفكر المغربي عبد الله العروي: “القوة الحقيقية للأمة تكمن في وعيها بتاريخها وفهمها لمحيطها”.
اليوم، المغرب يطبق هذه الفلسفة عمليا، إذ يربط بين:
الذاكرة التاريخية للوحدة الترابية والحكمة السياسية في التعاطي مع القوى الدولية والإقليمية ثم القيم الإنسانية والفلسفية في معالجة الملف الصحراوي.
في الأخير يمكن القول أن لقاء 10 نونبر 2025 ليس مجرد اجتماع سياسي؛ إنه تجسيد حي للسيادة، والحكمة الاستراتيجية، والفلسفة الوطنية في إدارة ملف حساس ومعقد. المغرب يثبت أن السياسة الناجحة تقوم على الذاكرة التاريخية، والمشاركة الوطنية، والقدرة على التفكير الواقعي والإنساني في الوقت نفسه.
كما قال أحد المفكرين السياسيين المغاربة: “من يفهم تاريخه يستطيع أن يرسم مستقبله”، واليوم المغرب يرسم مستقبله عبر حكم ذاتي متكامل يحفظ الوحدة، يعزز المشاركة، ويصون الحقوق، ليكون نموذجا للعمل السياسي الذكي والمتوازن في مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية.
