Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين تتكلم الأمم المتحدة… هل يصغي مشرع العدالة؟

“العدالة هي الإرادة الثابتة والدائمة لإعطاء كل ذي حق حقه.” — أولبيان مستشار حقوقي وكاتب روماني

في الدول التي تجعل من دولة القانون مشروعا وطنيا، لا تقاس قوة المؤسسات بعدد القوانين التي تنتجها، بل بقدرتها على مراجعة تلك القوانين كلما كشفت التجربة أو المعايير الدولية عن مواطن خلل فيها. فالديمقراطيات الواثقة من نفسها لا تنظر إلى ملاحظات الهيئات الأممية باعتبارها تدخلا في السيادة أو إملاءات خارجية، وإنما تتعامل معها باعتبارها مرآة تعكس مدى انسجام التشريعات الوطنية مع الالتزامات الحقوقية التي ارتضتها الدولة بإرادتها. فالقوانين التي تنظم العدالة ليست مجرد نصوص تقنية، بل هي عقود أخلاقية بين الدولة والمجتمع، والتي تتقاس قيمتها بمدى قدرتها على حماية الحقوق والحريات، لا بمدى إحكامها لآليات الرقابة والوصاية.

ومن هذا المنطلق، تكتسي الملاحظات التي وجهتها المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين التابعة لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بشأن مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة أهمية استثنائية، لأنها لا تتعلق بجزئيات تقنية أو تفاصيل إجرائية، وإنما تمس جوهر فلسفة العدالة واستقلال إحدى أهم ركائزها: مهنة المحاماة.

فالمراسلة الأممية ليست موقفا سياسيا ولا رأيا عابرا يمكن تجاوزه في نقاش برلماني عادي، وإنما وثيقة قانونية وحقوقية تستند إلى المرجعيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وفي مقدمتها المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، وضمانات المحاكمة العادلة، واستقلال السلطة القضائية. وهي بذلك تطرح سؤالا يتجاوز حدود تعديل قانون مهني: أي عدالة يريدها المغرب في المرحلة المقبلة؟ عدالة قائمة على استقلال الفاعلين فيها، أم عدالة تتوسع فيها مظاهر الوصاية الإدارية على حساب استقلال المهنة؟

واللافت أن الوثيقة الأممية لا تنتقد تفصيلا معزولا، وإنما ترسم صورة متكاملة لمشروع قانون ترى فيه مساسا بعدد من الضمانات الأساسية؛ بدءا من توسيع حضور السلطة الحكومية في مسار تكوين المحامين وتقييمهم، مرورا بتقليص اختصاصات الهيئات المهنية، ومنح النيابة العامة أدوارا مؤثرة في التأديب، وصولا إلى الإشكالات المرتبطة بتفتيش مكاتب المحامين، وسرية العلاقة بين المحامي وموكله، والقيود المفروضة على حرية التعبير داخل الفضاء القضائي. وهي مؤشرات تثير سؤالا مشروعا: هل نحن أمام تحديث للمهنة، أم إعادة هندستها بمنطق الرقابة؟

إن هذه الملاحظات لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها اعتراضا على الإصلاح في حد ذاته، وإنما دعوة إلى التمييز بين الإصلاح والتقييد. فليس كل تعديل تشريعي إصلاحا بالضرورة، كما أن كثرة النصوص لا تعني جودة التشريع. وقد كان الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو محقا حين قال: “لا حرية إذا لم تكن السلطة القضائية مستقلة.” ولعل من المشروع اليوم أن نضيف إلى حكمته أن القضاء لا يكتمل استقلاله إلا بمحاماة مستقلة، لأن الدفاع الحر هو الوجه الآخر للقضاء المستقل.

واستقلال المحاماة ليس امتيازا مهنيا يطالب به المحامون دفاعا عن مصالحهم، بل هو ضمانة دستورية للمواطن قبل أن يكون حقا للمهنة. فالمحامي الذي يخشى السلطة، أو يشعر بأن استقلاله مهدد، أو يخضع أداءه المهني لتوازنات خارج مقتضيات القانون، لن يكون قادرا على الدفاع بحرية عن موكله، وستفقد العدالة أحد أهم شروطها، وهو تكافؤ أطراف التقاضي.

ولعل من أكثر ما يستحق التوقف عنده في المذكرة الأممية، تنبيهها إلى الخصاص العددي في المحامين بالمغرب، وربطها بين تشديد شروط الولوج إلى المهنة وتقليص عدد الممارسين، وما قد يترتب عن ذلك من ارتفاع كلفة الخدمات القانونية، وتراجع فرص المواطنين، وخاصة الفئات الهشة، في الولوج إلى العدالة. وهنا يغادر النقاش حدوده القانونية ليصبح سؤالا اجتماعيا وتنمويا، لأن العدالة التي تصبح مكلفة أو بعيدة المنال، ليست عدالة مكتملة، بل عدالة تفقد إحدى أهم وظائفها في تحقيق المساواة بين المواطنين.

ولا يبدو من الحكمة اختزال هذا النقاش في مواجهة بين الحكومة والمحامين، أو تصويره باعتباره صراعا بين السيادة الوطنية والمنظومة الأممية. فالمغرب راكم خلال العقود الأخيرة رصيداً مهما في الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية والحقوقية، وجعل من احترام التزاماته الدولية أحد مرتكزات منظومته القانونية. ومن ثم، فإن التفاعل الإيجابي مع هذه الملاحظات لا ينتقص من السيادة، بل يعكس نضج الدولة وثقتها في مؤسساتها، وقدرتها على تطوير تشريعاتها بما ينسجم مع الدستور ومع التزاماتها الدولية.

ويبقى الرد الرسمي للحكومة، الذي أعلن عن إعداده، محطة مفصلية في هذا النقاش، لأنه سيكشف ليس فقط عن موقف السلطة التنفيذية من المؤاخذات الأممية، وإنما أيضا عن فلسفة الإصلاح التي تتبناها: هل ستعتبر هذه الملاحظات فرصة لتحسين النص وتجويده، أم ستتعامل معها باعتبارها مجرد رأي استشاري لا يستوجب المراجعة؟

لقد كتب الفيلسوف الإنجليزي جون لوك: “غاية القانون ليست إلغاء الحرية أو تقييدها، بل الحفاظ عليها وتوسيعها.”وتبقى هذه العبارة معيارا حقيقيا لقياس جودة أي إصلاح يمس العدالة. فالقانون الذي يعزز استقلال الدفاع، ويوسع ضمانات المحاكمة العادلة، ويقوي ثقة المواطن في القضاء، هو وحده الذي يستحق أن يسمى إصلاحا.

أما الإصلاح الذي يثير المخاوف أكثر مما يبعث على الاطمئنان، ويطرح الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات، فإنه يظل مشروعا يحتاج إلى مراجعة، لأن العدالة لا تبنى على حسن النيات وحدها، بل على قوة الضمانات وصلابة المؤسسات.

وفي نهاية المطاف، تبقى العدالة الرأسمال الرمزي الأكبر لأي دولة. فهي لا تقاس بعدد القوانين التي تصدرها المؤسسات، وإنما بمقدار الثقة التي يشعر بها المواطن وهو يلج أبواب المحاكم. وكل إصلاح لا يجعل المحامي أكثر استقلالا، والقاضي أكثر اطمئنانا، والمتقاضي أكثر شعورا بالأمن القانوني، يظل إصلاحا ناقصا، مهما بلغت دقة صياغته ومهما حسنت نواياه.

ويبقى السؤال الذي تطرحه الأمم المتحدة اليوم موجها إلى المشرع المغربي، قبل غيره: هل نريد قانونا يواكب المعايير الدولية في حماية العدالة، أم قانونا يكتفي بتنظيم المهنة دون أن يبدد الهواجس التي أثارتها إحدى أبرز الآليات الأممية المختصة باستقلال القضاء والمحاماة؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي ينتظر مشروع قانون المحاماة، وذلك هو الرهان الذي سيحدد، إلى حد بعيد، صورة العدالة المغربية في السنوات المقبلة.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...