Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين تتقدم القوة ويتراجع القانون: الشرق الأوسط على حافة إعادة تعريف الشرعية الدولية

في الشرق الأوسط، نادرا ما تبدأ الحروب بإعلان رسمي. غالبا ما تولد من تراكم الرسائل النارية، وحسابات الردع المتشابكة، وخطابات سياسية تتحدث عن “الدفاع” بينما تتحرك الوقائع ببطء نحو حافة الهاوية.

التصعيد المتنامي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مع تهديدات امتدت إلى دول الخليج، ليس مجرد أزمة عابرة في سجل المنطقة المضطرب. إنه لحظة اختبار قاسية لفكرة النظام الدولي ذاتها:

هل ما زال القانون يحكم القوة؟ أم أن القوة أصبحت هي من يعيد تعريف القانون؟

الفيلسوف السياسي “توماس هوبز” وصف قبل قرون حالة الفوضى السياسية بعبارة شهيرة:

“حيث لا توجد سلطة عليا، يصبح لكل إنسان الحق في كل شيء.”

ما كتبه هوبز عن “الحالة الطبيعة”يبدو اليوم أقرب إلى استعارة لوصف نظام دولي تتزايد فيه النزعات الأحادية، وتتآكل فيه القيود القانونية أمام اعتبارات الأمن والقوة.

منذ اعتماد ميثاق الأمم المتحدة عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وضع حظر استخدام القوة كقاعدة أساسية في العلاقات الدولية، مع استثناءين واضحين: الدفاع الشرعي عن النفس، أو التفويض الصادر عن مجلس الأمن.

لكن العقود الأخيرة شهدت تحولا تدريجيا في تفسير هذا الاستثناء. فبعد هجمات 11شتنبر تبنت إدارة جوج بوش  ما عرف بمبدأ الضربة الاستباقية، معتبرة أن انتظار التهديد حتى يتحقق فعليا قد يكون مخاطرة لا يمكن تحملها.

بهذا المعنى، لم يعد “الدفاع” يعني فقط الرد على هجوم قائم، بل بات يشمل ضربات وقائية ضد تهديدات محتملة.

إسرائيل بدورها تنطلق من مفهوم “التهديد الوجودي”، وهو إطار استراتيجي يضفي طابعا استثنائيا على قراراتها الأمنية. أما إيران، فتقدم سياساتها العسكرية والإقليمية بوصفها ردعا في مواجهة الضغوط والعقوبات الممتدة.

الجميع يتحدث بلغة الدفاع. لكن حدود هذا الدفاع أصبحت مرنة إلى حد يهدد بإفراغ القاعدة القانونية نفسها من مضمونها. المفكر الواقعي في العلاقات الدولية “هانس مورجنتو” Hans Morgenthau  لخص هذا التناقض قبل عقود حين كتب:

“السياسة الدولية هي صراع دائم على القوة، مهما كانت الشعارات الأخلاقية المعلنة.”

المشكلة إذن ليست في وجود الاستثناء، بل في تحوله تدريجيا إلى قاعدة.

حين يصبح كل طرف هو من يحدد بمفرده معيار “التهديد الوشيك”، يتآكل الضابط الموضوعي الذي قام عليه القانون الدولي. وهنا تظهر المفارقة التي أشار إليها الدبلوماسي الأمريكي هنري كيسنجر بقوله:

“الشرعية في النظام الدولي ليست فقط ما هو قانوني، بل ما تقبله القوى الكبرى باعتباره مقبولا.”

أي مواجهة تمتد إلى دول الخليج لن تبقى أزمة ثنائية بين أطراف الصراع. بل ستتحول بسرعة إلى ساحة إقليمية مفتوحة.

الخليج ليس هامشا جغرافيا في السياسة الدولية. إنه عقدة طاقة عالمية وممر بحري استراتيجي. يكفي أن نذكر أن نحو خمس تجارة النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز.

لهذا فإن أي تهديد للممرات البحرية أو للبنية التحتية للطاقة لن يبقى شأنا إقليميا. بل سيتحول فورا إلى أزمة عالمية تمس أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي الدولي.

الجغرافيا هنا ليست مجرد مسرح للصراع، بل عامل مضاعف له.

وكما كتب المنظر العسكري البروسي كارل فون كلاوزويتز :

“الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى.” لكن في منطقة مثل الخليج، قد تتحول تلك “الوسائل الأخرى” إلى أزمة عالمية في غضون أيام.

نظريا، يفترض أن توفر المؤسسات الدولية أدوات لحل النزاعات بين الدول. تمثل محكمة العدل الدولية، المسار القضائي الأسمى في هذا المجال.

غير أن النزاعات ذات الطابع الأمني المرتفع نادرا ما تجد طريقها إلى القضاء الدولي. فاعتبارات السيادة، والحسابات السياسية، ورفض بعض الدول للاختصاص القضائي تجعل اللجوء إلى المحكمة استثناء لا قاعدة.

أما مجلس الأمن الدولي، المفترض أن يكون الضامن الأول للأمن الجماعي، فيبقى في كثير من الأحيان رهينة توازنات القوى وحق النقض. هنا تظهر مفارقة النظام الدولي المعاصر:

مؤسسات قوية في النصوص، لكنها محدودة التأثير في لحظات الأزمات الكبرى.

المشهد الإقليمي اليوم قائم على معادلة ردع متبادل. كل طرف يلوح بالقوة ليثني الآخر عن استخدامها.

لكن التاريخ يعلمنا أن الردع يصبح هشا عندما تختلط الرسائل أو تساء قراءة النوايا.

خلال أزمة الصواريخ الكوبية، وقف العالم على حافة مواجهة نووية بين جون كينيدي ونيكيتا خروتشوف، ليس بسبب رغبة مباشرة في الحرب، بل نتيجة سلسلة من الحسابات المتوترة وسوء التقدير المتبادل.

في البيئات المشحونة استراتيجيا، لا تحتاج الحروب دائما إلى قرار متعمد. أحيانا يكفي خطأ تكتيكي واحد لإطلاق سلسلة من التصعيد لا يمكن احتواؤها.

وفي الشرق الأوسط اليوم، حيث تتقاطع الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية، يصبح خطر “الانزلاق غير المقصود” أكثر واقعية من سيناريو الحرب الشاملة المخطط لها.

السؤال الحقيقي في هذه اللحظة لا يتعلق فقط بمن يملك التفوق العسكري، بل بمن ينجح في فرض تعريفه للشرعية.

هل الشرعية تستمد من ميزان القوة؟ أم من ميزان القانون؟

المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي وصف لحظات التحول التاريخي بهذه العبارة اللافتة:

“الأزمة تحدث حين يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد بعد.”

وإذا ترسخ منطق الضربات الاستباقية والردود العابرة للحدود دون مساءلة فعالة، فقد نشهد لحظة من هذا النوع: لحظة تعاد فيها صياغة الأعراف الدولية على أساس موازين القوة أكثر من قواعد القانون.

عندها لن يكون الشرق الأوسط وحده أمام مرحلة سيولة استراتيجية، بل النظام الدولي بأسره.

المنطقة لا تقف فقط على حافة مواجهة عسكرية محتملة، بل على حافة تحول معياري في طبيعة النظام الدولي.

استمرار التصعيد قد يخلق واقعا جديدا تصبح فيه القواعد أقل صلابة، والردع أكثر خطورة، والمؤسسات الدولية أقل تأثيرا. ومع ذلك، لا يزال الخيار قائما بين مسارين واضحين:

• مسار الانزلاق التدريجي نحو مواجهة إقليمية واسعة.

• أو مسار الاحتواء السياسي وإعادة الاعتبار لفكرة الأمن الجماعي.

في لحظات كهذه، لا يكون الامتحان الحقيقي لقدرة الصواريخ، بل لقدرة السياسة على كبحها.

لأن التاريخ، كما كتب المؤرخ إيريك هوبزباوم، يعلمنا درسا بسيطا لكنه قاس:

“الحروب الكبرى لا تغير الخرائط فقط، بل تغير القواعد التي ترسم بها الخرائط.”

والحروب، في النهاية، تبدأ غالبا بقرارات قصيرة الأمد… لكنها تعيد تشكيل العالم لسنوات طويلة.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...