مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
متابعة / عصام احمر الراس
لم يعد غلاء المعيشة ظاهرة ظرفية مرتبطة بتقلبات الأسواق أو الأزمات العابرة، بل أصبح سمة بنيوية تثقل كاهل المواطنين وتعيد تشكيل أولوياتهم اليومية. فمع الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الأساسية والخدمات الحيوية، مقابل جمود نسبي في الأجور، تتعمق الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة، في مشهد يعكس اختلالا واضحا في التوازنات الاقتصادية والاجتماعية.
في هذا السياق، يجد المواطن نفسه في مواجهة مزدوجة: من جهة، مضاربات تجارية تستفيد من هشاشة آليات المراقبة، ومن جهة أخرى، بطء حكومي في التدخل واحتواء الوضع. هذا التداخل بين ضعف الضبط المؤسساتي وتغوّل منطق الربح السريع، يحول السوق إلى فضاء مفتوح للفوضى، حيث تتغير الأسعار بوتيرة غير مفهومة، ودون مبررات تستند إلى قواعد العرض والطلب.
تشير معطيات الواقع إلى أن جزءا مهما من موجة الغلاء الحالية لا يرتبط فقط بارتفاع تكاليف الإنتاج أو الاستيراد، بل يتغذى أيضا من ممارسات احتكارية ومضاربات في سلاسل التوزيع. فغياب الشفافية في تحديد هوامش الربح، وتعدد الوسطاء، يفتح الباب أمام زيادات غير مبررة، ترحل في النهاية إلى المستهلك النهائي.
هذا الوضع يطرح تساؤلات ملحة حول فعالية أجهزة المراقبة، ومدى قدرتها على ضبط السوق والتصدي للتجاوزات. فالسوق التي تغيب عنها الرقابة الصارمة، تتحول تدريجيا إلى بيئة خصبة للممارسات غير التنافسية، حيث تهمش قواعد المنافسة الشريفة لصالح منطق الهيمنة والربح السريع.
في المقابل، تتعاظم انتظارات المواطنين من الحكومة لتفعيل دورها كضامن لتوازن السوق وحام للقدرة الشرائية. ويشمل ذلك تشديد المراقبة على الأسعار، ومحاربة الاحتكار، وضبط سلاسل التوزيع، إضافة إلى اتخاذ إجراءات اجتماعية موازية تخفف من أثر الغلاء على الفئات الهشة والمتوسطة.
غير أن بطء التدخل، وضعف الإجراءات الزجرية، يبعثان برسائل سلبية قد تفهم على أنها تساهل مع المخالفين، وهو ما يشجع على استمرار هذه الممارسات بدل ردعها. فالتأخر في اتخاذ قرارات حاسمة لا يفاقم الأزمة فقط، بل يقوض أيضا ثقة المواطنين في فعالية السياسات العمومية.
لا تقف تداعيات الغلاء عند حدود الاقتصاد، بل تمتد لتلامس الاستقرار الاجتماعي. فمع تآكل القدرة الشرائية، تتسع دائرة الهشاشة، وتجد فئات واسعة نفسها عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية. كما يتنامى الشعور بالإحباط لدى المواطنين الذين يواجهون ضغوطا يومية دون أفق واضح للحلول.
هذا الواقع يضع صناع القرار أمام اختبار حقيقي: إما التدخل العاجل لإعادة التوازن إلى السوق، أو مواجهة تبعات اجتماعية قد تكون أكثر كلفة على المدى المتوسط والبعيد.
في ظل هذا المشهد، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة مختلة، تتجاذبها مصالح المضاربين وتردد السياسات العمومية. ومع استمرار الارتفاع في تكاليف الغذاء والنقل والخدمات، يصبح الانتظار رفاهية لا يملكها كثيرون.
إن استعادة الثقة تتطلب إجراءات ملموسة وسريعة، تعيد الاعتبار لدور الدولة كمنظم للسوق، وتضمن الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية. فالمعركة ضد الغلاء لم تعد خيارا، بل ضرورة ملحة لحماية الاستقرار الاجتماعي وصون كرامة المواطن.
