مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
تشير الإحصائيات الحديثة للمندوبية السامية للتخطيط إلى أن الفوارق الاجتماعية في المغرب ازدادت خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع مؤشر التفاوت من 39.5% إلى 40.5%، ما يعكس تزايد الفجوة بين الفئات الاجتماعية. في الوقت الذي شهدت فيه الطبقات الأكثر فقرًا تحسنًا طفيفًا في مستوى معيشتها بفضل بعض التدخلات الاجتماعية، واستفادت الفئات الغنية من فرص اقتصادية واستثمارية أكبر، بقيت الطبقة المتوسطة في موقع هش، غير قادرة على الاستفادة من أي من هذين الاتجاهين. بلغ عدد الأشخاص الذين يعانون من الهشاشة الاقتصادية حوالي 4.75 مليون شخص في عام 2022، مما يعكس استمرار الضغوط الاقتصادية على الأسر ذات الدخل المتوسط التي لم تشهد أي تحسن يوازي ارتفاع تكاليف المعيشة.
رغم أن معدلات الفقر المطلق انخفضت من 4.8% في 2014 إلى 3.9% في 2022 على المستوى الوطني، فإن التحليل العميق لهذه الأرقام يكشف عن تباطؤ في وتيرة تحسين المستوى المعيشي للطبقة المتوسطة. فقد ارتفع متوسط النفقات السنوية للأسر المغربية من 76,317 درهمًا في 2014 إلى 83,713 درهمًا في 2022، لكن هذه الزيادة تزامنت مع موجات تضخم متتالية وارتفاع أسعار المواد الأساسية والطاقة، مما أدى إلى تقلص القدرة الشرائية لهذه الفئة. فقد سجلت أسعار بعض السلع الغذائية زيادات تجاوزت 10%، كما ارتفعت تكاليف النقل والمحروقات، مما جعل الأسر المتوسطة تقلل من نفقاتها غير الأساسية، بما في ذلك الترفيه، وأحيانًا حتى من بعض المصاريف الضرورية مثل الصحة والتعليم.
تأثير هذه العوامل لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية برمتها. فالطبقة المتوسطة تمثل العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي، وعندما تجد نفسها عاجزة عن تحقيق تطلعاتها في امتلاك سكن لائق أو ضمان تعليم جيد لأبنائها، فإن ذلك يؤدي إلى انتشار مشاعر الإحباط والتوتر الاجتماعي. في المجتمعات التي تشهد تراجعًا في مستوى المعيشة للطبقة المتوسطة، يكون هناك خطر متزايد لظهور اضطرابات اجتماعية، خاصة إذا ترافقت هذه التحديات مع غياب سياسات واضحة لدعم هذه الفئة أو تحسين وضعها الاقتصادي. كما أن هذه التحولات تضعف الثقة في النظام الاقتصادي وتجعل الأسر أكثر حذرًا في استثماراتها وإنفاقها، مما يؤثر بدوره على النمو الاقتصادي العام.
التفاوتات الجهوية تزيد من تعقيد المشهد، حيث لا تزال خمس جهات في المغرب تعاني من نسب فقر مرتفعة، من بينها فاس-مكناس، خنيفرة-بني ملال، درعة-تافيلالت، الجهة الشرقية وكلميم-واد نون. هذه المناطق تواجه تحديات كبيرة مثل ضعف البنية التحتية وندرة الموارد المائية، مما يؤثر على النشاط الفلاحي، ويؤدي إلى هجرة السكان نحو المدن الكبرى بحثًا عن فرص اقتصادية أفضل. هذه الهجرة بدورها تؤدي إلى تفاقم الضغط على المدن الكبرى وترفع أسعار العقارات والخدمات، مما يزيد العبء على الطبقة المتوسطة التي تعيش في هذه المراكز الحضرية. ورغم الجهود الحكومية لتحسين الخدمات الأساسية، فإن استمرار التفاوتات بين الجهات يفرض تحديات إضافية تتطلب تدخلات هيكلية أكثر عمقًا.
إيجاد حلول لهذه الإشكالات يتطلب إعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية لضمان توزيع أكثر عدالة للموارد وتحفيز النمو بطريقة تستفيد منها جميع الفئات. من بين الخطوات التي يمكن اتخاذها مراجعة النظام الضريبي لتخفيف العبء على الأسر المتوسطة، وضمان سياسات أكثر فعالية للتحكم في التضخم من خلال مراقبة أسعار المواد الأساسية ودعم الفئات الأكثر تضررًا. تحسين جودة الخدمات الاجتماعية، خاصة في مجالي التعليم والصحة، من شأنه أن يقلل من الضغوط المالية التي تواجهها الأسر المتوسطة، كما أن الاستثمار في البنية التحتية بالمناطق الأقل تنمية سيساهم في خلق فرص اقتصادية جديدة ويخفف من الضغط على المدن الكبرى. على المستوى الاقتصادي، فإن دعم القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والخدمات الرقمية يمكن أن يوفر وظائف ذات دخل مستقر للطبقة المتوسطة، مما يعزز قدرتها على الاستهلاك والاستثمار.
الوضع الحالي يعكس تحديًا هيكليًا يتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى. إذا لم يتم اتخاذ إجراءات حاسمة لحماية الطبقة المتوسطة، فقد تجد هذه الفئة نفسها أكثر عرضة للتدهور نحو الهشاشة الاقتصادية، وهو ما قد يؤدي إلى تبعات طويلة الأمد على الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي. تأمين مستقبل الطبقة المتوسطة ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل هو رهان استراتيجي لضمان التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي، وهو ما يجعل من الضروري التفكير في سياسات شاملة ومندمجة تأخذ بعين الاعتبار التحديات التي تواجهها هذه الفئة لضمان تنمية أكثر عدالة واستدامة.
كتبته/ ميمونة داهي
