Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

التصعيد اليميني لا يخدم إسبانيا

يونس مجاهد

يحاول اليمين الإسباني نقل النزاع المغربي الإسباني إلى واجهة أوروبية، ويقوم بالتصعيد الذي يقترب من تهديد، المغرب، مستغلا الأحداث الأخيرة التي شهدتها سبتة المحتلة، والمتمثلة في دخول عشرات الآلاف من الشباب المغربي، خاصة، إلى هذه المدينة، أغلبهم عاد إلى بلده. غير أن موضوع الهجرة، ليس سوى الشجرة التي تخفي غابة الاحتلال الإستعماري، التي أراد اليمين الإسباني أن تكون فضاء المواجهة مع المغرب، وهو بذلك يضع أصبعه على الجرح الحقيقي.
مباشرة بعد زيارة الرئيس الإسباني، الأسبق، خوسي ماريا أثنار مدينة سبتة يوم الخميس الأخير، انطلقت جرائم الإعتداء على القاصرين المغاربة ومنع المساعدات الغذائية، من طرف المتطرفين اليمينيين، الذين زاد في تأجيج سعارهم ما صرح به أثنار للصحافة، حيث قال إن ما حدث في هذه المدينة، ليس أزمة هجرة تقليدية، بل هو غزو من المغرب، وانتهاك لسلامة إسبانيا، مطالبا بضرورة الدفاع عن مدينتي سبتة ومليلية، اللتين يطالب بهما المغرب تاريخيا، واختتم أثنار خطابه بالدعوة إلى تعزيز الحدود، سواء بالنسبة للحكومة الإسبانية أو السلطات الأوروبية، معتبرا أن هذه هي الحدود الوحيدة بين أوروبا وأفريقيا.
ومن جهته، إنتقد رئيس الحزب الشعبي الإسباني، ألبرتو نونيز فيخو، في زيارته الثانية لسبتة، بعد الأحداث، استمرار عدم انعقاد مجلس الأمن القومي، رغم أن قوات وهيئات الأمن التابعة للدولة طلبت ذلك، ورغم أن قانون الأمن القومي ينص عليه منذ عام 2015، مؤكدا أن “سلامة أراضي إسبانيا ليست موضع نقاش، لا في سبتة ولا في مليلية ولا في المياه الإسبانية. واتهم حكومة سانشيز بـ “التعاقد من الباطن” مع المغرب، لحماية الحدود الجنوبية لأوروبا، مؤكدا أن أمن مدينة إسبانية لا يمكن أن يعتمد على أي دولة أجنبية. وفي هذا الإطار إقترح أن تخاطب سبتة ومليلية الإتحاد الأوروبي مباشرة، قائلا؛ “يجب أن تتوقف سبتة ومليلية عن كونهما قضية تشرحها إسبانيا في بروكسل، وأن تنتقلا إلى مرحلة تشرحان فيها وضعيتهما بصوتهما الخاص”.
و يتوضح من هذه التصريحات أن اليمين الإسباني، يسعى إلى نقل المواجهة بين المغرب وإسبانيا، حول سبتة ومليلية والجزر المتوسطية، إلى المواجهة بين المغرب وأوروبا، الأمر الذي يعني محاولة إضفاء الشرعية الدولية على الاحتلال الإسباني لهذه الأراضي المغربية، لأنه يعلم أن هذه الشرعية مفتقدة. هذه المعضلة يتحدث عنها الكاتب الصحافي الإسباني، دومنغو ديل بينو، في كتابه الصادر سنة 1983، تحت عنوان “آخر حرب مع المغرب: سبتة ومليلية”. وهو الصحافي الذي اشتغل منذ ستينيات القرن الماضي مراسلا في عدد من البلدان العربية، قبل أن يعمل في المغرب كمراسل لصحيفة “البايس”، ثم مديرا لمكتب وكالة الأنباء “إيفي”.
في حديثه عن الخيارات التي تناقش في إسبانيا، يقول بـأن العمل العسكري الردعي أو الوقائي ضد المغرب ممكن نظريا، ولكنه سينعت دوليا ودون أدنى شك بأنه “حرب استعمارية قذرة لإسبانيا”. إن الضغط السياسي من البلد الجار، على سبيل المثال مسيرة خضراء على سبتة ومليلية، سيكون في الظروف الحالية سببا كافيا لتلك الحرب الوقائية. أما عمليا، فإن مثل هذا الهجوم الردعي أو الوقائي سيكون مستبعدا تماما لأسباب سياسية، لأن هيبة إسبانيا ستتأثر بشكل لا يمكن إصلاحه، ولأن الضغوط الغربية، والعربية، والإفريقية، ودول عدم الانحياز، بل وحتى في الأمم المتحدة، ستكون ذات عواقب وخيمة، بحيث ستتضرر مصالح إسبانيا العامة، وستوضع حتى إسبانية جزر الكناري نفسها محط شك، وهي الجزر التي يراد حمايتها من أي تشكيك دولي.
و يتطرق هذا الكتاب لما يسميه بالمشهد السياسي العالمي المتعدد المعالم، الذي أصبحت فيه الدول لا تتسامح مع وجود جيوب لدول أخرى، في مساحاتها الجغرافية، ناهيك عن التواجد العسكري. ومع ظهور مفاهيم جديدة في القانون الدولي مثل الحق في إنهاء الاستعمار، فإن التفسير السياسي للطابع الاستعماري أو غير الاستعماري لحيازة أراض معينة من قبل القوى الاستعمارية القديمة، بما في ذلك السيادة الأجنبية على جيوب تقع في بلدان أخرى، يشكل مصدرا للاحتكاك الدولي المستمر. وفي حالة سبتة ومليلية، تضاف مشكلة أخرى على قدر كبير من الأهمية، وهي الإبقاء على صفة الموانئ الحرة لهاتين المدينتين، اللتين تمارس تجارتهما بنسبة عالية مع محيط طبيعي خاضع لسيادة أخرى. وهذا ما يجعل هذه الممارسات التجارية غير مشروعة، وبالتالي مدانة، ومضرة بالتنمية الاقتصادية للبلد الذي تمارس معه هذه التجارة، والتي تعتبر بالنسبة له مجرد تهريب. كما يقول إن حقيقة تمسك إسبانيا بمطالبة مماثلة في تداعياتها السياسية والعسكرية وطرحها الدولي، كما هو الحال بالنسبة لجبل طارق، تجعل التمييز الذي تقيمه الدبلوماسية الإسبانية بين حالة وأخرى غير مقبول يوما بعد يوم.
وفي الوقت الذي يعتبر فيه أن استمرار احتلال الجزر المتوسطية، من طرف إسبانيا، أمر عبثي، يقترح ضرورة فتح حوار مع المغرب، حول سبتة ومليلية، للبحث عن سبل التعاون، دون المساس بالسيادة الإسبانية، و ينتقد الإختيار العسكري، الذي تلوح به أوساط إسبانية متشددة، وكذا تجاهل الديبلوماسية الإسبانية لمشكلة حقيقية مع المغرب حول المدينتين، مستندا في ذلك على مواقف فرناندو موران، أول وزير للخارجية الإسباني، في الحكومة الإشتراكية التي ترأسها فيليبي كونزاليس.
غير أن كل هذه المقترحات والمواقف، التي تسعى إلى التهدئة للإلتفاف على الحق المغربي، تصطدم بصخرتين، الأولى هو إصرار المغرب على استعادة سيادته على الأراضي التي مازالت تحتلها إسبانيا، الثانية، هي وجود أوساط إسبانية، يمينية متشددة ضد المغرب، تفضل منطق القوة، وتستغل موضوع سبتة ومليلية، في المزايدات الانتخابية، وهو الأمر الذي لن يخدم مصالح إسبانيا.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...