Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

نفحات العشر… والقلوب بين الغنيمة والتدارك

نحن اليوم في منتصف العشر الأوائل من ذي الحجة، تلك الأيام التي اختصّها الله بمزيد من الفضل والبركة، والتي تتوالى فيها النفحات الربانية على القلوب المؤمنة، حاملة معها فرصًا عظيمة للمغفرة والعمل الصالح والارتقاء الروحي. هي أيام معدودة، لكنها محمّلة بأجور لا تحصى، وبركات لا تُقدّر، ومن وفقه الله لإدراكها بقلب حي، وتعبّد خاشع، وسعي صادق، فقد نال من الخير أوفره، ومن الفضل أعظمه، ومن ضيّعها أو غفل عنها، فالباب لا يزال مفتوحًا، والرحمة لا تزال نازلة، فإن لربنا في كل وقت عطايا، ومواسم القرب لا تنحصر في زمان دون آخر.

هذه الأيام ليست مجرد مرحلة زمنية تمرّ، بل هي مدرسة إيمانية مكثفة، يتربّى فيها القلب على الخشوع، ويتعلّم العبد كيف يقترب من ربه بصمت الصيام، وحرارة الدعاء، ودموع التوبة، وصدق الذكر، وسكينة الصلاة. وكلّ من ذاق لذة القرب في هذه الأيام، لا يرضى بعد ذلك بالفتور أو الرجوع إلى الغفلة. فالاستمرار بعد الطاعة هو علامة القبول، والثبات على الخير هو أصدق برهان على الإخلاص.

ونحن إذ نعيش اللحظات المتبقية من هذه الأيام المباركة، فإن في الأفق تلوح أعظمها، يوم عرفة، اليوم الذي يُباهي الله به ملائكته، ويغفر فيه لعباده، ويضاعف فيه الأجر لمن صامه وذكَره وتقرّب فيه بخالص الدعاء. ثم يأتي يوم النحر، وأيام التشريق من بعده، امتدادًا لموسم الطاعة، حيث تُشرع الأضاحي، وتُعلَن الفرحة، ويُرفع الذكر، كما قال النبي ﷺ: “أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله”. فرحة العيد ليست انقطاعًا عن الطاعة، بل استكمالٌ لها، وفرصة لشكر الله على ما مضى من نعم، وما بقي من فضل.

العاقل من لا يجعل علاقته بالله موسمية، بل يبني على ما حصده في هذه الأيام ليجعل منها نقطة انطلاق، لا محطة عبور. فالسعيد حقًا من استثمر ما تبقّى من أيام العشر، وسأل الله القبول، وجعل من هذه النفحات الروحية زادًا يمتد أثره لما بعدها. إن الطاعة الحقيقية لا تُقاس بكثرتها، بل بديمومتها، وإن قلّ العمل، فالثبات على الذكر، والمواظبة على الصلاة، والمحافظة على القلب حيًّا متصلاً بالله، هو الفارق الحقيقي.

فلنغتنم ما تبقى من هذه الأيام، بكل ما فيها من فضل، ولنجعل منها بداية عهد جديد، لا مجرد مناسبة تمرّ، فمن وجد قلبه أقرب، ولسانه أصدق، وروحه أنقى، فليحمد الله على النعمة، ومن لم يشعر بذلك بعد، فليعلم أن الفرصة لم تفت بعد، وأن الله كريم جواد لا يردّ من أقبل عليه بقلب منيب، ولو بعد تقصير.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...