مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
نخبة من الأكاديميين والباحثين تناقش الاقتصاد الأخلاقي وحماية البيئة والرقمنة ومواجهة الأزمات
العروي – المملكة المغربية / آخر خبر
احتضنت الزاوية الكركرية بمدينة العروي فعاليات مؤتمر علمي وفكري دولي، نظم في إطار فعاليات الأسبوع الدولي الثامن للتصوف، احتفاء بالمولد النبوي الشريف 1448هـ/2026م، تحت إشراف شيخ الطريقة الكركرية سيدي محمد فوزي الكركري.
وحمل المؤتمر عنوان «زوايا المملكة المغربية الشريفة نموذجا للتكافل والتنمية المستدامة»، واندرج ضمن الشعار العام للأسبوع الدولي للتصوف: «الهدي الإحساني لبناء لبنات الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي»، بمشاركة نخبة من الأساتذة الجامعيين والباحثين والأكاديميين والأطباء والمختصين من مؤسسات وجامعات مختلفة.
وشكل اللقاء مناسبة لفتح نقاش متعدد التخصصات حول الأدوار التاريخية والاجتماعية التي اضطلعت بها الزوايا المغربية، ومدى إمكانية استثمار هذا الرصيد في صياغة أدوار جديدة تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتكنولوجية التي يفرضها العصر.
ولم يتوقف النقاش عند استعادة الذاكرة التاريخية للزوايا، بل حاول الانتقال بها إلى أسئلة الحاضر، من خلال البحث في علاقة التصوف بالتكافل الاجتماعي، والاقتصاد الأخلاقي، وحماية البيئة، والتنمية، والصحة النفسية، والرقمنة، والحكامة، وقدرة المؤسسات الدينية والاجتماعية على الإسهام في مواجهة الأزمات.
الاقتصاد .. حين تصبح الأخلاق جزءا من معادلة التنمية
وافتتحت الجلسات العلمية بمداخلة الدكتور رامي قوجة، الأستاذ الباحث بكلية الحقوق بجامعة هارفارد والمتخصص في علوم الشريعة، تحت عنوان «تأصيل أخلاقي لعلوم الاقتصاد وحماية البيئة من منظور عرفاني».
وانطلقت المداخلة من قراءة في فكر الإمام أبي حامد الغزالي، لاستجلاء تصور يجعل الكون منظومة مترابطة تحكمها الحكمة والرحمة والتوازن، قبل أن تنتقل إلى مساءلة مفهوم المال ووظيفته داخل المجتمع.
وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أن المال لا ينبغي أن يتحول إلى غاية مستقلة عن الإنسان، وإنما إلى وسيلة لخدمته وتحقيق المصلحة العامة، بما يفرض استحضار البعد الأخلاقي في التفكير الاقتصادي وفي تدبير الموارد الطبيعية.
ومن هذا المنظور، برزت الحاجة إلى تجاوز المقاربة الاقتصادية المحضة، وربط التنمية بالمسؤولية، وإعادة بناء علاقة الإنسان بالمال والثروة والبيئة على أساس منظومة قيمية تجعل من الاستدامة والتوازن جزءاً من العملية التنموية.
الزاوية المغربية .. من فضاء للعبادة إلى شبكة للتكافل الاجتماعي
وفي محور الدور الاجتماعي والتضامني للزوايا، قدم الدكتور عبد الحكيم طاحونا، الطبيب الاختصاصي، مداخلة بعنوان «المملكة المغربية الشريفة والدور الاجتماعي والتضامني للزوايا».
واستعرض طاحونا نماذج من الحضور التاريخي للزاوية المغربية، التي لم يقتصر دورها على الوظيفة الروحية، بل امتد إلى الإطعام والإيواء والتعليم وإغاثة المحتاجين والرعاية الاجتماعية، بما جعلها، في مراحل مختلفة، إحدى آليات التضامن داخل المجتمع المغربي.
كما ربط الباحث بين هذا الإرث التاريخي وبعض المبادرات المعاصرة، مستحضرا نماذج من العمل الميداني للزاوية الكركرية، من بينها قوافل الإغاثة لفائدة المتضررين من زلزال الحوز، وحملات التبرع بالدم، ومشاريع حفر الآبار داخل المغرب وخارجه.
وبذلك أعاد النقاش طرح سؤال جوهري حول قدرة المؤسسات الروحية على تحويل قيم التربية والإحسان إلى مبادرات عملية، خصوصا في لحظات الأزمات والكوارث والحاجة الاجتماعية.
الزكاة والصدقة.. من السلوك الفردي إلى التضامن المجتمعي
وفي محور «الزكاة والصدقات كآليات للتكافل في الزوايا»، تناول الأستاذ حميد الزبدي، الباحث في الدراسات الإسلامية، الأبعاد التربوية والاجتماعية للعطاء.
وأوضح أن الزكاة والصدقة لا تختزلان في مجرد انتقال للمال من شخص إلى آخر، بل تتضمنان أبعادا مرتبطة بتطهير النفس من الشح، وتعزيز الأخوة، وترسيخ المسؤولية الاجتماعية.
واستحضر الباحث النموذج النبوي في رعاية أهل الصفة، باعتباره مثالاً على إمكانية تحول العطاء إلى منظومة تضامن تحفظ للإنسان كرامته، وتربط القادر بمسؤوليته تجاه المحتاج.
ومن ثم، يصبح التكافل، وفق هذا التصور، ممارسة اجتماعية وتربوية مستمرة، وليس مجرد استجابة ظرفية لحالة من حالات العوز.
تجديد وظيفة الزاوية في زمن الرقمنة
أما الدكتور خالد سالم، استشاري الطب والأستاذ المساعد بجامعة أونتاريو بكندا، فاختار في مداخلته ضمن محور «آفاق تجديد دور الزوايا في التنمية المعاصرة» مقاربة تنطلق من ضرورة تطوير الوسائل دون التفريط في الأصالة.
وركز سالم على ثلاثة أبعاد أساسية يمكن أن تشكل قاعدة لتجديد أدوار الزاوية: التنمية الروحية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية العلمية.
واقترح في هذا الإطار الانفتاح على مجالات جديدة، من بينها إنشاء مراكز للدراسات، وإصدار مجلات علمية محكمة، والاهتمام بالصحة النفسية، وتوظيف أدوات التحول الرقمي، بما يسمح للمؤسسات الروحية بتوسيع حضورها في المجال العلمي والاجتماعي.
ويطرح هذا التصور سؤالا مركزيا: هل تستطيع الزاوية أن تنتقل من مجرد الحفاظ على تراثها إلى إنتاج المعرفة والمساهمة في معالجة قضايا المجتمع المعاصر؟
التجديد.. بين إصلاح الإنسان وحسن تدبير الموارد
وفي محور «التجديد المطلوب في نظام الزوايا لمواجهة التحديات المعاصرة»، قدم الأستاذ عبد الحفيظ الرباطي، الباحث في تاريخ التصوف، قراءة لمفهوم التجديد باعتباره ضرورة تفرضها التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.
وقام تصوره على مستويين متكاملين؛ الأول باطني يرتبط بتربية الإنسان وترشيد الاستهلاك وبناء الوعي والمسؤولية، والثاني ظاهري يتعلق بالحكامة وحسن إدارة الموارد والاستفادة من الوسائل الحديثة والرقمنة.
وبذلك، لا يصبح التجديد قطيعة مع التراث، وإنما تطويرا للوسائل التي تمكن المؤسسة الروحية من مواصلة أداء رسالتها في واقع جديد.
من الجوائح والاستعمار إلى الذكاء الاصطناعي
واختتمت المداخلات العلمية بمشاركة الدكتور يوسف كازويت، الأستاذ الباحث بجامعة شيكاغو، الذي تناول موضوع «دور المؤسسات الدينية والزوايا في مواجهة الأزمات».
واستعاد كازويت نماذج من التاريخ المغربي أظهرت حضور الزوايا في مواجهة الأزمات والجوائح والاستعمار، مستحضرا، ضمن ذلك، شبكة زوايا الشيخ أبي محمد صالح الماجري ودور الإمام الجزولي.
وأكدت هذه القراءة التاريخية أن الزوايا لم تكن مؤسسات منعزلة عن محيطها، وإنما كانت حاضرة في لحظات المحن والظروف الاستثنائية، وأدت وظائف دينية واجتماعية وإنسانية متعددة.
لكن المداخلة لم تتوقف عند الماضي، إذ انتقلت إلى تحديات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، وما تثيره هذه التحولات من أسئلة حول الإنسان والمعنى والوعي.
وفي هذا السياق، برزت أهمية التربية الروحية في الحفاظ على البعد الإنساني أمام تمدد التقنية، حتى لا يتحول الإنسان إلى مجرد مستهلك للمعلومة والأدوات الرقمية، من دون قدرة على إنتاج المعنى أو ممارسة النقد والاختيار.
من ذاكرة الزوايا إلى سؤال التنمية المستدامة
وبقراءة مجمل المداخلات، يبدو أن المؤتمر سعى إلى تجاوز السؤال التقليدي حول ما قدمته الزوايا في الماضي، نحو سؤال أكثر ارتباطا بالحاضر: كيف يمكن استثمار هذا الرصيد الروحي والاجتماعي في بناء نموذج معاصر للتكافل والتنمية المستدامة؟
وقد تقاطعت النقاشات حول مجموعة من القضايا، من الاقتصاد الأخلاقي وحماية البيئة، إلى الزكاة والصدقات والإغاثة، مرورا بالتنمية الاجتماعية والبحث العلمي والصحة النفسية والرقمنة والحكامة ومواجهة الأزمات.
ويكشف هذا التنوع أن الزاوية طرحت خلال المؤتمر ليس باعتبارها مؤسسة تاريخية فحسب، وإنما باعتبارها تجربة قابلة لإعادة القراءة والتقييم، واستشراف إمكانات جديدة لأدوارها في خدمة الإنسان والمجتمع.
الإحسان.. من قيمة روحية إلى مسؤولية اجتماعية
في خلفية مختلف هذه النقاشات، برز مفهوم الإحسان باعتباره القاسم المشترك بين المقاربات المقدمة.
فالإحسان، وفق الرؤية التي أطرت أشغال المؤتمر، لا يقتصر على العلاقة الروحية بين الإنسان وربه، بل يمتد إلى علاقة الإنسان بالإنسان، وبالمجتمع، وبالمال، وبالبيئة، وبالموارد.
وهنا تتقاطع التربية الروحية مع المسؤولية الاجتماعية؛ إذ يصبح الذكر مرتبطا بالعطاء، والعبادة بالعمل، والتزكية بإصلاح الحياة، والإيمان بخدمة الإنسان.
ومن هذه الزاوية، حاول المؤتمر تقديم التصوف باعتباره منظومة قيم يمكن أن تكون لها امتدادات عملية في قضايا الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والتكافل والتنمية المستدامة.
الجامعة والتصوف في مواجهة أسئلة العصر
ويكتسب المؤتمر دلالته أيضاً من طبيعة المشاركين فيه، حيث التقت تخصصات أكاديمية وطبية وفكرية وإسلامية وتاريخية حول موضوع واحد يتصل بالإنسان ومستقبل المجتمع.
كما أتاح اللقاء مساحة للحوار بين الموروث الروحي المغربي والبحث الأكاديمي المعاصر، وبين الذاكرة التاريخية للزوايا والأسئلة الجديدة التي تفرضها التحولات الرقمية والبيئية والاقتصادية.
وهو تقاطع يطرح بدوره الحاجة إلى مزيد من البحث العلمي في تاريخ المؤسسات الروحية والاجتماعية المغربية، بعيدا عن القراءة الاحتفالية وحدها، وبما يسمح بتحويل الذاكرة التاريخية إلى موضوع للدرس والتقييم والاستشراف.
السماع والمديح.. حضور البعد الروحي
وإلى جانب الجلسات العلمية، تخللت أشغال المؤتمر فواصل من السماع والمديح النبوي، بما حافظ على البعد الروحي الذي يميز فعاليات الأسبوع الدولي للتصوف.
واختتمت الأشغال بالدعاء الصالح بالحفظ والتمكين لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، ولسائر الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء بالأمن والسلام والاستقرار.
وفي المحصلة، شكل المؤتمر الدولي المنظم بالعروي محطة علمية وفكرية حاولت الجمع بين التراث الصوفي المغربي وأسئلة التنمية المعاصرة، من خلال إعادة طرح أدوار الزوايا في التكافل والإغاثة والتعليم والتنمية، واستشراف إمكانات تجديد هذه الأدوار في مجالات الاقتصاد الأخلاقي وحماية البيئة والبحث العلمي والرقمنة ومواجهة الأزمات.
وبينما يظل السؤال مفتوحا حول مدى قدرة المؤسسات الروحية على ترجمة هذا التصور إلى نماذج تنموية قابلة للقياس والاستدامة، فإن النقاش الذي احتضنته العروي أعاد وضع الزاوية أمام اختبار جديد: هل تكتفي بحفظ الذاكرة، أم تستطيع أن تتحول إلى شريك في صناعة المستقبل؟
وهو سؤال قد يكون، في نهاية المطاف، أكثر أهمية من استعادة ما أنجزته الزوايا في الماضي، لأنه يضع قيم الإحسان والتكافل أمام امتحان الواقع، ويقيس قدرتها على الانتقال من الخطاب إلى الفعل، ومن الذاكرة إلى التنمية، ومن التربية الروحية إلى خدمة الإنسان.

