مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
في كل عام، ومع اقتراب عيد الأضحى، تتحول الأسواق إلى مرآة كبيرة تكشف أحوال الناس: فرح المنتظرين للشعيرة، وقلق الآباء، وتعب البسطاء، ولهيب الأسعار، وصخب الوسطاء، وصور الخرفان التي تملأ الهواتف قبل أن تملأ الأزقة. لكن هذا العام بدا المشهد أكثر توترا؛ إذ ارتفعت الأثمان حتى صار كثير من الناس يقفون أمام الحظائر كما يقف العطشان أمام الماء البعيد: يراه ولا يقدر عليه.
ومواقع التواصل الاجتماعي لم تكن سوى امتداد لهذا الوجع الجماعي؛ تذمر، وسخرية، واتهامات متبادلة، وبكاء مكتوم تحت عبارات الغضب. فالمشتري يرى نفسه محاصرا بغلاء لا يرحم، والبائع يشكو كلفة العلف والنقل وغلاء التربية… والوسيط يبحث عن نصيبه في سوق تتقاذفها المصالح. وفي خضم هذا الضجيج، تضيع أحيانا حقيقة بسيطة: الجميع متعب.
لقد صار بعض الناس يتعامل مع الأضحية وكأنها معركة كرامة اجتماعية لا شعيرة دينية؛ يخاف الإنسان من كلام الجيران أكثر مما يخاف من إرهاق نفسه بالدين والقروض. وكأن العيد فقد معناه الروحي عند بعض النفوس، وتحول إلى استعراض قدرة، أو سباق استهلاك، أو امتحان للمكانة الاجتماعية. مع أن الدين، في جوهره، جاء ليرفع الحرج عن الناس لا ليزيد أثقالهم.
إن الأضحية شعيرة عظيمة، نعم، لكنها في جمهور أقوال العلماء سنة مؤكدة للقادر، وليست بابا لتعذيب الفقير ولا لإذلال رب الأسرة. والله سبحانه يقول: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، ويقول أيضا: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. فحين تتحول العبادة إلى مصدر قلق نفسي، وديون متراكمة، وخصومات أسرية، فإننا نكون قد ابتعدنا عن روح الدين وإن تشبثنا بمظهره.
ثم إن هذه المناسبة تكشف أيضا عن هشاشة اجتماعية مؤلمة لا ينتبه إليها كثيرون. فبعيدا عن النقاش الديني، هناك أسر بسيطة لا يمثل لها عيد الأضحى مجرد شعيرة، بل فرصة نادرة لأن يأكل أطفالها اللحم حتى الشبع؛ أولئك الذين تمر عليهم شهور طويلة وهم يراقبون واجهات محلات الجزارة أكثر مما يذوقون ما فيها. ولهذا يبدو حزن بعض الناس في هذه الأيام أعمق من مجرد العجز عن شراء أضحية؛ إنه شعور ثقيل بالفقر حين يصبح الطعام الذي يعد عاديا عند البعض حلما موسميا عند آخرين.
وحين نفهم هذه الحقيقة، ندرك أن القضية ليست مجرد “استهلاك” كما يصورها بعض المتعالين، بل جرح اجتماعي قديم تكشفه الأعياد بوضوح. فالعيد يفرح الناس، نعم، لكنه يكشف أيضا الفوارق الصامتة بينهم: من يشتري دون حساب، ومن يحسب كل درهم، ومن يخفي ألمه بابتسامة أمام أطفاله حتى لا يشعروا بالنقص.
وليس من الحكمة أن يُحاكم الفقير لأنه عجز عن شراء أضحية، كما ليس من العدل أن يُصوَّر كل بائع في صورة الجشع المطلق؛ فبين هؤلاء مربون أفنوا شهورا طويلة في الرعاية والتغذية، ثم اصطدموا بدورهم بغلاء الأسواق. المشكلة أعمق من تبادل الاتهامات؛ إنها صورة لاختلال اقتصادي يضغط على الجميع، ويكشف هشاشة القدرة الشرائية، واتساع الفجوة بين متطلبات الحياة ودخل الناس.
ومع ذلك، يبقى أخطر ما في الأمر هو هذا التآكل البطيء للرحمة بين الناس. فبعض النقاشات على المنصات الرقمية صارت قاسية إلى حد مخيف؛ شماتة، واحتقار، ومزايدات، وسخرية من الفقراء أو من الباعة، وكأن المجتمع فقد القدرة على تفهم أوجاعه المشتركة. بينما الأعياد، في أصلها، مواسم للرفق والتكافل ولين القلوب.
إن الإنسان لا يقاس بعدد الأضاحي التي يذبحها، ولا بحجم الكبش الذي يجره إلى بيته، بل بما يحمله قلبه من رحمة، وما يبذله من ستر للناس، وما يملكه من وعي يفرق بين الدين والعادة، وبين العبادة والمباهاة. قد يذبح أحدهم أضحية عظيمة وقلبه قاس، وقد يعجز آخر عن الشراء وعينه دامعة حياء من أطفاله، لكنه عند الله أصدق شعورا وأنقى نية.
لذلك، لعل ما نحتاجه اليوم ليس فقط حلولا اقتصادية، بل شيئا من التعقل أيضا؛ أن نخفف عن بعضنا ضغط المقارنات الاجتماعية، وأن نتوقف عن تحويل الشعائر إلى مسابقات، وأن نتذكر أن الله ينظر إلى القلوب قبل المظاهر. فالعيد لا يسكن في عدد الكيلوغرامات التي توضع على الموائد، بل في الطمأنينة التي تدخل البيوت، وفي الرحمة التي تعبر بين الناس دون ضجيج.
وسيظل أجمل ما في الأعياد أن الإنسان، مهما أثقلته الحياة، يبحث عن فسحة فرح صغيرة يواجه بها قسوة الأيام. فلا تجعلوا هذه الفسحة ميدانا للخصام، ولا تجعلوا الفقراء يشعرون بالخجل من ضيق ذات اليد، فكم من قلب مكسور في هذه الأيام يحتاج كلمة رحيمة أكثر مما يحتاج قطعة لحم.
التالي
