Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

صناعة المحتوى من رسالة للتأثير إلى وسيلة للإثارة

في السنوات الأخيرة، عرف الفضاء الرقمي تحوّلًا جذريًا تمثل في بروز ظاهرة “صناعة المحتوى”، والتي شُرّعت أبوابها أمام الأفراد للتعبير عن ذواتهم ومشاركة أفكارهم وتجارِبهم ومعارفهم، خارج الأطر التقليدية التي كانت تحتكرها المؤسسات الإعلامية. لقد كانت البداية واعدة، بل يمكن وصفها بثورة ناعمة منحت الكلمة لمن لا منبر له، وجعلت من منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للتثقيف والتنوير، لا مجرد استهلاك عابر.

غير أن هذا المسار، الذي شُقّ في بدايته على درب الرسالة، ما لبث أن انحرف شيئًا فشيئًا نحو درب الإثارة. فتحولت المنصات من فضاءات حوار، إلى ساحات صراع واستعراض للمفاتن، واختلط فيها الجد بالهزل، حتى صار التمييز بين القيم والفارغ أمرًا بالغ الصعوبة.
لقد عُلّقت آمال عريضة على أن تُسهم هذه الصناعة في ترقية الذوق العام، وإعادة تشكيل الوعي الجماعي بما يتماشى وروح العصر. وفعلاً، ظهرت أسماء استطاعت أن تبني لنفسها قاعدة جماهيرية وازنة، من خلال محتوى رصين، يجمع بين الفائدة والمتعة، ويُقدّم إضافة حقيقية في مجالات متنوّعة كالتعليم، والفكر، والتحليل الاجتماعي. غير أن هذا التيار النقي لم يلبث أن وجد نفسه مغمورًا وسط سيل جارف من “المؤثرين الجدد”، الذين لا يتورعون عن استخدام أساليب الإثارة الرخيصة، بحثًا عن شهرة سريعة، ومتابعات لا تنبني على قيمة ولا مضمون.
هذا التحوّل لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة تفاعل مُعقّد بين خوارزميات المنصات، التي تروّج لما هو أكثر جذبًا بصريًا، لا لما هو أعمق أثرًا، وبين عامل الربح المادي الذي أصبح المحرك والمحفز الأساسي لكثير من صناع المحتوى. وهكذا، تحوّلت الرسالة إلى سلعة، والمحتوى إلى بضاعة تُسوّق حتى ولو كانت فارغة من كل معنى. فانتشرت الفيديوهات التي تتاجر بالخصوصيات، وتُفتعل فيها الوقائع، وتُصطنع الصراعات، فقط لضمان مزيد من المشاهدات والإعلانات أو الإعانات.
وفي خضم هذا التنافس المحموم، بدأ الخط الفاصل بين “التأثير” و”الإثارة” يتآكل. وصرنا نشهد محتويات تُروَّج تحت غطاء “الجرأة”، بينما لا تعدو أن تكون إلا ابتذالًا مقنّعًا، أو خروجًا عن الحياء باسم “الواقعية”. وأمام هذا الانزلاق، بات من المشروع أن نسائل أنفسنا: أي تأثير هذا الذي يفرغ القيم من محتواها، ويعيد إنتاج أنماط من السلوك الاستهلاكي والانفعالي، دون أدنى اعتبار للعقل أو الذوق أو الرقي؟
تأثير هذا الواقع لا يقف عند المحتوى ذاته، بل يتعداه إلى الأثر الاجتماعي العميق، خاصة على فئة الشباب، الذين بدأ بعضهم ينظر إلى مسارات الانحراف لا كخطر يجب تجنبه، بل كطريق مختصر نحو “النجاح”. مادام هذا الطريق يضمن لهم الحضور الرقمي، والمكانة الافتراضية، حتى ولو على حساب المبادئ والهوية.
وما يزيد من مرارة الصورة، هو انسحاب بعض الأصوات التي كانت تُرافع عن القيم النبيلة، أو أسوأ من ذلك، تماهيها مع ما هو سائد، إما بدافع الإحباط، أو طمعًا في حصة من كعكة المشاهدات. وهنا، تبرز الحاجة الملحّة لإعادة طرح الأسئلة الجوهرية: ما هي “الحرية”؟ وما معنى “التأثير”؟ وما حدود “المحتوى”؟ ليس بهدف فرض رقابة تُكمّم الأفواه، بل لإرساء نوع من التوازن الأخلاقي والثقافي، وتجديد النقاش حول أدوار المثقف، والإعلام، والمدرسة، والأسرة، في إعادة التوجيه والبناء.
إن المحتوى الهادف لا ينبغي أن يُختزل في صورة نُخبوية مملة، أو أن يُقدّم كنقيض للترفيه، بل يمكنه أن يكون ممتعًا وجاذبًا، دون أن يسقط في التهريج أو يفقد احترامه لذكاء المتلقي. وصانع المحتوى الحقيقي، في هذا السياق، هو من يقدّر أثر الكلمة، ويحترم وعي الجمهور، ويضع من روحه ومبادئه في كل ما يبدعه.
نحن اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، حيث لم تعد معايير النجاح ترتبط بالجودة، بل بسرعة الانتشار. ومع ذلك، يبقى الأمل معقودًا على وعي الأفراد، ويقظة المجتمع، وجرأة صانعي القرار الثقافي، من أجل إعادة البوصلة إلى الاتجاه الصحيح، نحو محتوى يُعبّر عن روح المجتمع، ويحترم قيمه، ويُسهم في بنائه لا في تسطيحه وتشويهه.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...