مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
قال الفيلسوف اليوناني أرسطو: “الإنسان كائن سياسي بطبعه.” غير أن السياسة ليست مجرد حق في الانتماء أو الترشح، بل هي، في جوهرها، امتحان دائم للعلاقة بين السلطة والثقة، وبين الدولة والمجتمع. لذلك فإن الجدل الدائر اليوم حول فوزي لقجع لا يتعلق، في حقيقته، باسم رجل أو بحزب بعينه، وإنما يعكس سؤالا أعمق: كيف تتعامل الدولة الحديثة مع الكفاءات التي راكمت شرعية الإنجاز حين تصبح مرشحة لاكتساب شرعية الصندوق؟
منذ سنوات، لم يقرأ فوزي لقجع في الوعي الجماعي باعتباره مسؤولا إداريا فحسب. لقد صار، شاء أم أبى، أحد الوجوه المرتبطة بأوراش الدولة الكبرى؛ من إصلاح المالية العمومية، إلى إعادة هيكلة الرياضة الوطنية، وصولا إلى الإشراف على ملفات ترتبط بصورة المغرب الدولية، وفي مقدمتها الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030. وهنا تتغير طبيعة النقاش.
فحين يتعلق الأمر بمسؤول عادي، يبقى السؤال انتخابيا. أما حين يتعلق الأمر برجل ارتبط اسمه بمشاريع استراتيجية، فإن السؤال يصبح فلسفيا ومؤسساتيا: هل تنتقل الكفاءة إلى السياسة، أم تنتقل السياسة إلى فضاء الدولة؟
كتب ماكس فيبر في محاضرته الشهيرة السياسة بوصفها حرفة أن “السياسي الحقيقي هو من يجمع بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية.” غير أن المسؤولية هنا لا تخص الشخص وحده، بل تخص أيضا صورة المؤسسات التي يمثلها، والثقة التي يبنيها المواطن تجاهها.
إن الديمقراطيات الراسخة لم تكن يوما ضد انتقال كبار المسؤولين إلى العمل السياسي، بل اعتبرت ذلك امتدادا طبيعيا للحياة العامة. لكن تلك الديمقراطيات بنت، في المقابل، جدرانا واضحة بين سلطة الدولة وشرعية الحزب، حتى لا تتحول مؤسسات الدولة إلى طرف في التنافس الانتخابي، ولو بصورة رمزية.
قال مونتسكيو: “لكي لا يساء استعمال السلطة، يجب أن توقف السلطة السلطة.” ولم يكن يقصد الفصل بين المؤسسات فحسب، بل أيضا الفصل بين الوظائف والأدوار، لأن الدولة تفقد جزءا من هيبتها كلما أصبحت حدودها مع السياسة ملتبسة.
ليس من قبيل المصادفة أن تتصاعد الحملات ضد فوزي لقجع كلما اقترب المغرب من محطة استراتيجية. فالتاريخ يعلمنا أن الشخصيات المرتبطة بالتحولات الكبرى تصبح دائما موضوعا للاستقطاب.
لقد كتب نيكولا مكيافيلي في الأمير: “لا شيء أشد صعوبة من إدخال نظام جديد، لأن كل من استفاد من القديم يعاديه، ومن سيستفيد من الجديد لا يؤيده إلا بتردد.”
ولعل هذه العبارة تفسر كثيرا من الضجيج الذي يرافق اسم لقجع؛ فالرجل أصبح، بالنسبة للبعض، رمزا لنجاح نموذج تدبيري، وبالنسبة لآخرين، عنوانا لنفوذ ينبغي الحد منه. وبين هذا وذاك، تضيع أحيانا الحدود بين النقد المشروع والاستهداف الشخصي. ليس كل نقد مؤامرة، كما ليس كل نجاح حصانة. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح النجاح نفسه موضع ريبة، لا بسبب نتائجه، بل بسبب تأثيره.
لقد قال ونستون تشرشل: “الثمن الذي يدفعه الإنسان مقابل العظمة هو المسؤولية.” ولعل لقجع يدفع اليوم ثمن حضوره أكثر مما يدفع ثمن قراراته. غير أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يختزل في الدفاع عن الرجل أو مهاجمته. فالدول لا تدار بالأشخاص، وإنما بالمؤسسات.
وهنا تحضر مقولة شارل ديغول: “الدولة لا تبنى على الأشخاص، بل على استمرارية المؤسسات.”
فإذا كان فوزي لقجع يمتلك رصيدا من الثقة اكتسبه عبر تدبير ملفات كبرى، فإن هذا الرصيد يجب أن يبقى، أولا وأخيرا، رصيدا للمؤسسات التي يعمل داخلها، لا أن يتحول إلى مادة لتصفية الحسابات السياسية أو إلى رأسمال انتخابي يقرأ باعتباره امتدادا للدولة.
إن المغرب اليوم ليس على أبواب انتخابات فقط، بل على أبواب مرحلة تاريخية غير مسبوقة. تنظيم كأس العالم 2030 ليس بطولة رياضية عابرة، بل مشروع سيادي يعيد تشكيل صورة المملكة اقتصاديا ودبلوماسيا وتنمويا.
ولهذا فإن أكبر تحد لا يتمثل في فوز هذا الحزب أو ذاك، وإنما في الحفاظ على الثقة في حياد الدولة، وهي تقود أكبر أوراشها منذ عقود.
قال أنطونيو غرامشي: “الأزمة هي أن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد.” وربما تنطبق هذه العبارة على المشهد الحزبي المغربي اليوم.
فالأحزاب تبحث عن كفاءات قادرة على استعادة ثقة الناخبين، بينما تنتج الدولة، عبر أوراشها الكبرى، مسؤولين يملكون رأسمالا رمزيا يفوق أحيانا رأسمال الزعامات التقليدية.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقا:
هل تستعير الأحزاب شرعية الإنجاز التي صنعتها الدولة؟
أم أن الدولة نفسها أصبحت تنتج نخبا سياسية جديدة؟
لقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن “الرأسمال الرمزي هو أكثر أشكال السلطة قوة، لأنه يقوم على الاعتراف.”
وفوزي لقجع لا يثير هذا الجدل لأنه يشغل مناصب متعددة فحسب، بل لأنه راكم، في نظر شريحة واسعة من الرأي العام، رأسمالا رمزيا مرتبطا بالنجاعة والإنجاز. وهذا ما يجعل أي انتقال محتمل إلى العمل الحزبي حدثا يتجاوز حدود السياسة اليومية.
التاريخ يعلمنا أن الدول القوية لا تخشى انتقال الكفاءات إلى السياسة، لكنها تحرص على أن يتم ذلك داخل قواعد واضحة وشفافة، حتى يبقى الولاء للمؤسسات فوق كل ولاء، وحتى لا يتحول النجاح الإداري إلى موضوع للاستثمار أو الشبهة.
قال جون كينيدي: “القيادة والتعلم لا ينفصلان.” والسياسة، في أرقى معانيها، ليست مكافأة على النجاح، ولا عقوبة عليه، وإنما فضاء آخر للمساءلة، تحكمه قواعد مختلفة عن الإدارة، وتقاس فيه الشرعية بصناديق الاقتراع لا بملفات الإنجاز.
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المغاربة ليس: هل يحق لفوزي لقجع أن يمارس السياسة؟
فالجواب يحسمه الدستور والقانون.
ولا هو: هل ينجح انتخابيا؟
فالجواب يحسمه الناخب.
السؤال الأهم هو: هل تستطيع الدولة المغربية أن تحافظ على المسافة الضرورية بين هيبة مؤسساتها وحيوية التنافس الحزبي، في لحظة تستعد فيها لقيادة أحد أكبر المشاريع الوطنية في تاريخها؟
إن مستقبل الديمقراطية المغربية لن يتحدد باسم الفائز في انتخابات 2026، بقدر ما سيتحدد بقدرة الدولة على حماية مؤسساتها، وبقدرة الأحزاب على استقطاب الكفاءات دون أن تبتلعها، وبقدرة النخب على جعل الاختلاف حول الأشخاص فرصة للنقاش حول الأفكار.
فالأشخاص يرحلون. أما الدول، فلا يحفظ مكانتها إلا ميزان دقيق بين شرعية الإنجاز، وشرعية السياسة، وسمو المؤسسات.
