Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين يتحول رئيس الحكومة إلى عبء سياسي: الدولة ومنطق تقليص الخسائر

عندما تعيد الدولة ترتيب المشهد بدل كسر المرآة

        كيف تدار لحظات الحرج الكبرى؟

ليس من المبالغة القول إن المشهد السياسي المغربي يعيش لحظة إجهاد بنيوي، لا ترتبط بشخص رئيس الحكومة وحده، ولا بحزب بعينه، بل بتراكم اختلالات في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السياسة والاقتصاد، وبين التمثيل والشرعية. والنص الذي ننطلق منه، رغم وجازه، يلتقط بذكاء ثلاث إشارات كبرى تشكل مفاتيح الفهم: احتقان اجتماعي شبابي خارج القنوات التقليدية، تفجر ملف تضارب المصالح، وعجز حكومي عن إنتاج المعنى والأفق.

ما يميز موجة الاحتقان الراهنة ليس حدتها فقط، بل طبيعة فاعليها. نحن أمام جيل لا يتفاعل مع الخطاب الحزبي، ولا يستبطن سرديات “الإصلاح التدريجي”، ولا يمنح ثقته بسهولة لمؤسسات التمثيل. جيل Z مثلا، كما يصفه عالم الاجتماع مانويل كاستلز، هو “جيل الشبكات، لا جيل التنظيمات”، أي أنه يحتج دون وسطاء، ويتحرك بمنطق الرموز واللقطات لا البرامج والبيانات.

هذا المعطى يربك الدولة أكثر مما يربك الحكومة. لأن الدولة الحديثة، كما كتب ماكس فيبر، تحتاج إلى قنوات ضبط وتوسيط، بينما هذا الجيل يرفض الوساطة أصلا. وهنا يصبح أي فشل حكومي ليس مجرد إخفاق تدبيري، بل تهديدا صامتا لمنظومة الاستقرار الرمزي.

ملف تضارب المصالح لا يحرج الحكومة فقط، بل يحرج فكرة الدولة العادلة. فحين يتماهى رأس السلطة التنفيذية مع أكبر الفاعلين الاقتصاديين، يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام دولة حكم، أم دولة تدبير مصالح؟

جون رولز كان واضحا حين اعتبر أن “العدالة لا تقاس فقط بالنتائج، بل بإحساس المواطنين بإنصاف القواعد”. وفي الحالة المغربية، لم يكن المشكل في وجود رجل أعمال على رأس الحكومة بحد ذاته، بل في غياب مسافة أخلاقية ورمزية بين القرار العمومي والمصلحة الخاصة، وفي فشل الحكومة في إقناع الرأي العام بأنها واعية بهذا التناقض وخطورته.

ومع تراكم الأزمات (غلاء الأسعار، ضعف الأجور، هشاشة الخدمات)، تحول تضارب المصالح من ملف قانوني إلى سردية سياسية جامعة تختزل كل الأعطاب في اسم واحد.

الحكومات لا تقاس فقط بقراراتها، بل بقدرتها على رواية ما تفعل. وهنا يظهر الفشل الأكبر. فالحكومة الحالية أخفقت في بناء خطاب يربط التضحيات بالأهداف، والآلام بالتحول. أنطونيو غرامشي يذكرنا بأن “الهيمنة لا تمارس بالقوة وحدها، بل بالإقناع”. وحين يفشل الإقناع، تتآكل الشرعية حتى لو ظل القانون قائما.

لقد بدا واضحا أن الحكومة لم تعد تمتلك أدوات امتصاص الغضب، لا سياسيا ولا تواصليا، وأن استمرارها بالوتيرة نفسها كان سيحولها إلى عبء على الدولة بدل أن تكون واجهتها التنفيذية.

هنا نصل إلى جوهر النص الذي انطلقت منه. الدولة، في الأنظمة المستقرة، لا تتصرف بردود فعل عاطفية، ولا تقدم “قرابين سياسية” فجائية، لكنها أيضا لا تسمح باستنزاف الشرعية إلى نقطة اللاعودة. كما يقول صامويل هنتنغتون: “الاستقرار السياسي ليس غياب التغيير، بل إدارة التغيير بأقل كلفة”.

من هذا المنظور، يصبح الانسحاب المفاجئ أو الإزاحة الهادئة ليس علامة ضعف، بل آلية إعادة تموضع. لا يناقش القرار داخل الحزب، لأنه تجاوز منطق الحزب. ولا يمهد له إعلاميا، لأن هامش المناورة ضاق، ولأن التأخير كان سيزيد منسوب الاحتقان.

إبلاغ الحزب كأمر واقع يكشف أزمة أعمق: هشاشة الوساطة الحزبية نفسها. الأحزاب، حين تتحول إلى أدوات انتخابية بلا استقلال استراتيجي، تفقد قدرتها على التفاوض باسم قواعدها، وتتحول إلى هياكل تنفيذية لقرارات تصنع خارجها. والمفارقة أن الحزب قد يكتشف متأخرا أن خروجه من الحكومة لا يعني خروجه من المساءلة الرمزية أمام الشارع.

المسألة، في العمق، ليست أخنوش، ولا الحكومة الحالية، بل نموذج تدبير السلطة في زمن التحول الاجتماعي السريع. جيل جديد يطالب بالكرامة لا بالشعارات، دولة تسعى إلى الاستقرار لا إلى الصدام، وأحزاب مطالبة إما باستعادة دورها أو القبول بالتهميش.

وكما كتب بيير بورديو: “أخطر ما في السياسة هو أن تستمر الأدوات القديمة في عالم تغير جذريا”. واللحظة المغربية اليوم هي اختبار: إما تجديد حقيقي لقواعد اللعبة، أو إعادة تدوير للأزمة بأسماء جديدة.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...