مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ما يجري اليوم في المغرب ليس مجرد تعثر في الجهوية، ولا مجرد فشل لنخب حزبية. ما يجري هو اختلال أعمق: دولة تتحرك بسرعة، وسياسة تسير ببطء. مؤسسات تنفذ، وأحزاب تبرر. مشاريع تطلق، لكن المعنى غائب.
الجهوية لم تفشل فقط لأن المنتخبين لم يكونوا في المستوى، بل لأنها وضعت في نظام ملتبس: اختصاصات غير مكتملة، موارد محدودة، وتداخل دائم بين سلطة القرار وسلطة التنفيذ. هذا ليس خطأ أفراد، بل خلل بنيوي.
ليس من قبيل المصادفة أن يعود النقاش حول الجهوية والتنمية الترابية في أعقاب المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس، والذي استمع فيه إلى عرض قدمه عبد الوافي لفتيت حول “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة”. فكلما تحركت الدولة استراتيجيا، انكشفت هشاشة السياسة أكثر.
نحن هنا أمام مفارقة مغربية خالصة: دولة تعيد ترتيب أولوياتها بهدوء وصرامة، مقابل حقل سياسي عاجز عن مواكبة هذا التحول إلا بخطابات متأخرة أو اتهامات متبادلة.
كتب أنطونيو غرامشي: “الأزمة هي اللحظة التي يحتضر فيها القديم ولا يولد فيها الجديد بعد”. وهذه بالضبط هي اللحظة المغربية الراهنة: القديم، أي نموذج الوساطة السياسية الكلاسيكية، يفقد مبرراته؛ والجديد، أي سياسة قادرة على مواكبة دولة اجتماعية صاعدة، لم يتشكل بعد.
لقد جاء عرض وزارة الداخلية، كما عكسته خلاصات المجلس الوزاري، ليعلن بشكل غير مباشر نهاية مرحلة وبداية أخرى: لم تعد الجهوية مجرد ورش مؤسساتي، بل أصبحت جزءا من هندسة كبرى لإعادة التوازن للمجال الوطني. بعبارة أوضح: نحن أمام انتقال من “تنمية ترابية” إلى “حماية اجتماعية للمجال”.
هذا التحول لا يمكن فهمه خارج سياق أوسع دشنه خطاب 2017، وتعزز مع ورش الحماية الاجتماعية، وتبلور فكريا داخل اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، التي دعت صراحة إلى دولة أكثر إنصافا ونجاعة. إنها لحظة إعادة تعريف لوظيفة الدولة، أقرب إلى ما وصفه كارل بولاني بـ”عودة الدولة” لتصحيح اختلالات السوق والمجتمع معا.
لكن، وهنا جوهر الإشكال، هذا التحول يتم في فراغ سياسي شبه كامل.
النقاش العمومي ما يزال حبيس ثنائيات بائسة: الدولة مقابل الأحزاب، المنتخبون مقابل المعينين، المركز مقابل الجهات. وهي ثنائيات لا تفسر ما يحدث بقدر ما تخفيه. فكما يقول ميشيل فوكو، السلطة لا تعمل فقط عبر ما تعلنه، بل أيضا عبر ما تخفيه.
ما يخفيه هذا النقاش هو أن الجهوية لم تفشل فقط بسبب “نخب حزبية ضعيفة”، بل لأنها وضعت داخل بنية ملتبسة: اختصاصات غير مكتملة، لا تمركز إداري متعثر، وتداخل دائم بين سلطة القرار وسلطة التنفيذ. تقرير وزارة الداخلية نفسه، في عمقه، اعتراف ضمني بهذه الأعطاب، حتى وإن لم يسمها بهذا الوضوح.
لكن بدل تحويل هذا الاعتراف إلى لحظة تفكير جماعي، يتم اختزاله في خطاب سياسي كسول: “الأحزاب فشلت، الدولة تتدخل”.
هذا ليس تحليلا، بل إعادة تدوير لخطاب قديم.
فالدولة التي تعود اليوم بقوة، هي نفسها التي أدارت هذا التوازن الهش لعقود. وبالتالي، لا يمكن أن تكون في الآن نفسه حكما خارج اللعبة ولاعبا داخلها دون مساءلة مزدوجة.
كما يذكرنا ماكس فيبر، الدولة ليست كيانا متعاليا، بل شبكة من السلط والعلاقات. وبالتالي، فإن إصلاح الجهوية لا يمكن أن يتم عبر إعادة تمركز القرار فقط، بل عبر إعادة توزيع حقيقي للسلطة والمسؤولية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن ما يحدث اليوم هو تحول استراتيجي عميق: الدولة تبني نفسها كـ“دولة راعية”، لا للأفراد فقط، بل للمجالات. الجيل الجديد من برامج التنمية ليس مجرد مشاريع، بل محاولة لإعادة كتابة العلاقة بين المواطن والمجال والدولة.
لكن هنا تكمن الخطورة: أن يتحول هذا التحول إلى مسار تقني بلا روح سياسية.
فكما حذرت حنة أرندت، “السياسة تموت حين تختزل في التدبير”. والدولة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تعوض غياب السياسة، لأنها لا تنتج المعنى، بل تنفذ الخيارات.
اليوم، الدولة تتحرك، لكن من يواكبها سياسيا؟
من يحول هذه المشاريع إلى نقاش عمومي؟
من يؤطر المجتمع حولها؟
الأحزاب، في وضعها الحالي، عاجزة عن لعب هذا الدور. لقد تحولت، في كثير من الحالات، إلى مجرد هياكل انتخابية، بلا رؤية، بلا جرأة، وبلا قدرة على إنتاج بدائل. وهذا هو جوهر “مأزق الوساطة”.
إن الخطر الحقيقي ليس في فشل الجهوية، بل في نجاح الدولة في غياب سياسة موازية. لأن هذا النجاح، إذا لم يؤطر ديمقراطيا، قد يعمق الفجوة بدل أن يردمها.
البديل لا يكمن في شيطنة الأحزاب ولا في تمجيد الدولة، بل في إعادة تركيب العلاقة بينهما:
• دولة قوية باستراتيجيتها، لا باحتكارها.
• جهوية حقيقية بسلطة فعلية، لا بوظيفة تنفيذية.
• أحزاب تنتج المعنى، لا تستهلكه.
وهنا، يصبح استحضار جون رولز ضروريا: “العدالة هي أول فضائل المؤسسات”. فإذا كان المجلس الوزاري قد وضع لبنة جديدة في بناء الدولة الاجتماعية، فإن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه اللبنات إلى تعاقد سياسي عادل.
المغرب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التشخيص، بل إلى جرأة سياسية مفقودة.
لا يحتاج إلى “مطاردة الساحرات”، بل إلى إعادة بناء الثقة ورد الاعتبار للسياسة، لا كواجهة، بل كجوهر.
فالسؤال لم يعد: من أخطأ؟
بل: هل نملك الشجاعة لبناء سياسة توازي دولة تتغير بسرعة؟ وفي نفس الوقت بناء تصور للمستقبل؟
