Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

«الوزارة عندها مولاتها».. تسريب صوتي يفتح جدلًا حول منطق توزيع الحقائب الحكومية

الرباط / آخر خبر

أعاد تسجيل صوتي متداول منسوب إلى راشيد الطالبي العلمي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، النقاش حول طبيعة الصراع الداخلي داخل الأحزاب السياسية، بعدما حملت إحدى العبارات الواردة فيه دلالة تتجاوز خلافات التدبير الحزبي إلى سؤال أكبر يتعلق بمنطق توزيع الحقائب الوزارية وحدود النفوذ الحزبي داخل الحكومة.

ويظهر في المقطع المتداول حديث منسوب إلى الطالبي العلمي عن وزارة المالية، يتضمن عبارة: «الوزارة عندها مولاتها»، في سياق نقاش حول ترتيب الحزب وإمكانية احتفاظه بالحقيبة. ومهما كانت حقيقة السياق الكامل للتسجيل، فإن العبارة، إذا ثبتت صحة نسبتها ولم تكن مجتزأة على نحو يغير معناها، تطرح أسئلة سياسية ومؤسساتية تتجاوز الجدل المرتبط بكيفية تسريبها.

فالسؤال هنا لا يتعلق فقط بمن سجل الاجتماع أو من أخرج المقطع إلى العلن، وإنما بما تكشفه اللغة المتداولة عن تصور بعض الفاعلين الحزبيين للوزارات: هل يتعلق الأمر بمسؤوليات عمومية تخضع لمنطق الاختصاص والتكليف والمصلحة العامة، أم أن التفاوض السياسي قد ينزلق أحياناً إلى التعامل مع بعض القطاعات باعتبارها مجالات نفوذ وحصصاً حزبية؟

في أولى ردود الفعل على القضية، ركز محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، على مبدأ سرية الاجتماعات الحزبية، معتبراً أن المكتب السياسي فضاء للنقاش والتعبير الحر، وأن اختلاف وجهات النظر داخله أمر طبيعي قبل الوصول إلى مواقف جماعية ورسميّة.

ولا خلاف من حيث المبدأ على أهمية وجود فضاءات حزبية مغلقة تسمح بالنقاش الصريح وتبادل المواقف بعيداً عن ضغط الكاميرات والرأي العام.

غير أن الإشكال الذي أثاره التسجيل لا يقف عند حدود مشروعية النقاش الداخلي، بل ينتقل إلى مضمون الكلام نفسه.

فإذا كانت العبارة المنسوبة إلى الطالبي العلمي غير صحيحة، فإن الحسم فيها يمر عبر نفي واضح أو توضيح صريح بشأن حقيقة التسجيل وسياقه. أما التركيز فقط على واقعة التسريب واجتزاء المقطع، فيترك الباب مفتوحاً أمام السؤال الأهم: ماذا قيل فعلاً داخل الاجتماع، وما الذي يعنيه هذا الكلام سياسياً؟

وهنا تحديداً تظهر حساسية القضية، لأن سرية الاجتماع قد تحمي آليات النقاش الداخلي، لكنها لا تلغي بالضرورة الدلالة السياسية لما يصدر عن قيادات حزبية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسات الدولة واختصاصاتها.

عبارة «الوزارة عندها مولاتها» قد تبدو في ظاهرها تعبيراً عابراً داخل نقاش حزبي، لكنها تصبح أكثر حساسية عندما تتعلق بوزارة الاقتصاد والمالية، باعتبارها من أهم مفاصل القرار العمومي، بما يرتبط بها من ميزانية الدولة والمالية العمومية والجباية والسياسات الاقتصادية.

فالوزارة ليست ملكاً لحزب، ولا ضيعة سياسية لشخص، والوزير لا يتعامل مع القطاع باعتباره ملكية خاصة، وإنما يمارس مهامه في إطار الاختصاصات القانونية والدستورية الموكولة إلى الحكومة.

ومن هذه الزاوية، فإن الانتقال من لغة «نريد هذه الحقيبة» أو «يحق لنا الاحتفاظ بها» إلى لغة توحي بأن الوزارة «لها مالكة»، يعكس فرقاً مهماً بين التفاوض السياسي المشروع وبين منطق الحيازة والنفوذ.

فمن الطبيعي أن تسعى الأحزاب إلى التأثير في تشكيل الحكومات، وأن تفاوض بشأن توزيع المسؤوليات وفق وزنها السياسي والانتخابي، لكن هذا التفاوض يفترض، في نهاية المطاف، أن يبقى محكوماً بمنطق المصلحة العامة والكفاءة والمسؤولية المؤسساتية.

القضية تفتح بالتالي سؤالاً أوسع من مضمون التسجيل نفسه: كيف تنظر الأحزاب إلى الحقائب الحكومية؟ وهل يجري التعامل معها باعتبارها مسؤوليات مرتبطة بالبرامج والكفاءات، أم باعتبارها مواقع نفوذ تسعى كل جهة إلى الاحتفاظ بها؟

التمييز هنا أساسي.

أن يقال إن حزباً ما يريد وزارة المالية لأنه يعتبر أن برنامجه الاقتصادي أو كفاءاته تؤهله لإدارتها، فهذا جزء طبيعي من التنافس السياسي. أما أن تصبح الوزارة في الخطاب المتداول شيئاً «له صاحب» أو «محجوزاً» لجهة معينة، فذلك يطرح إشكالاً مختلفاً يتعلق بالصورة التي تقدمها النخب عن الدولة ومؤسساتها.

وفي هذا السياق، لا يتعلق السؤال بوزير بعينه أو بحزب بعينه، وإنما بالتصور العام للعلاقة بين الأحزاب ومؤسسات الدولة.

بعيداً عن الجدل الأخلاقي والقانوني المرتبط بالتسجيلات المسربة، فقد فتح هذا المقطع نافذة على طبيعة النقاش الذي يدور أحياناً خلف الأبواب المغلقة داخل التنظيمات السياسية.

فالمواطن الذي يتابع هذه السجالات لا يهتم فقط بهوية من سجل أو سرب، بل يهتم أيضاً بمعرفة الكيفية التي تُتخذ بها القرارات المرتبطة بالحكومة، وكيف تنظر القيادات الحزبية إلى الوزارات والقطاعات العمومية، وما إذا كانت الأولوية تمنح للكفاءة والبرنامج أم لموازين القوة والتفاوض والنفوذ.

ومن هذه الزاوية، قد تكون أهمية التسجيل، بصرف النظر عن طريقة خروجه، في كونه أعاد طرح سؤال قديم بصيغة أكثر حدة: هل الحقائب الحكومية مسؤوليات عمومية أم مناطق نفوذ حزبي؟

وفي الوقت الذي يملك فيه حزب التجمع الوطني للأحرار حق الاعتراض على تسجيل اجتماع داخلي وتسريب مقتطفات منه، فإن ذلك لا يلغي أيضاً حق الرأي العام في مساءلة الخطاب السياسي الذي يصل إليه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوزارة استراتيجية وموقعها داخل الدولة.

وكان من الممكن أن يحسم توضيح مؤسساتي مباشر جانباً من الجدل، من خلال التأكيد بوضوح على أن الوزارات ليست ملكيات حزبية، وأن أي نقاش بشأنها يندرج في إطار التفاوض السياسي حول المسؤوليات وليس في إطار الحيازة أو التملك.

ذلك أن قوة الأحزاب لا تقاس فقط بقدرتها على حماية اجتماعاتها من التسريب، وإنما أيضاً بقدرتها على تقديم خطاب مؤسساتي واضح عندما تثار قضايا تمس صورة الدولة وعلاقة السياسة بمؤسساتها.

وفي انتظار التحقق الكامل من التسجيل وسياقه، تبقى العبارة المتداولة بحاجة إلى قراءة حذرة، بعيداً عن إصدار أحكام نهائية استناداً إلى مقطع مجتزأ.

لكن المؤكد أن الجدل الذي أثارته أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكبر من التسجيل نفسه: منطق توزيع السلطة داخل الحكومات، وحدود العلاقة بين النفوذ الحزبي والمسؤولية العمومية.

فالوزارة، في نهاية المطاف، ليست «ملكية» لأحد، والحقيبة الوزارية ليست امتيازاً مكتسباً، وإنما مسؤولية عمومية يفترض أن يكون معيار إسنادها هو القدرة على خدمة الدولة والمواطنين.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...