مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليست علاقة المغرب بفرنسا مجرد صفحة من صفحات التاريخ، بل هي حكاية تشابك معقد بين الذاكرة والمصالح، بين لغة تركت أثرها وثقافة أعادت تشكيل ذاتها، حتى أصبح القرب بينهما مسافة من التوتر بقدر ما هو جسر من التأثير.
إن علاقتهما لا تسكن في الماضي وحده، بل تمتد في الحاضر كظل ثقيل؛ يذكر حينا بالإرث، ويعيد طرح السؤال دائما: هل نحن أمام شراكة متكافئة أم تاريخ لم يغلق بعد؟.
في السياسة الدولية، لا تقاس قوة العلاقات بين الدول بعدد الاتفاقيات الموقعة فقط، بل بقدرتها على تجاوز الأزمات وإعادة تعريف نفسها في لحظات التحول. هذا بالضبط ما تعكسه الدينامية الجديدة بين المغرب وفرنسا، والتي تتوجها الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس في خريف 2026، في خطوة تحمل أكثر من مجرد دلالة بروتوكولية؛ إنها إعلان سياسي عن نهاية مرحلة وبداية أخرى.
لقد ظلت العلاقات بين الرباط وباريس، لعقود طويلة، نموذجا لـ”الاستمرارية المضطربة”، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجية مع لحظات التوتر. وكما يقول المفكر الفرنسي ريمون أرون: “الدبلوماسية هي فن إدارة التناقضات، لا إلغائها”، وهو توصيف ينطبق إلى حد بعيد على المسار المغربي–الفرنسي خلال السنوات الأخيرة.
ما بين 2020 و2023، مرت العلاقات الثنائية بواحدة من أصعب فتراتها، حيث ساد ما يمكن تسميته بـ”الصمت الدبلوماسي الثقيل”. لكن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، خصوصا في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، فرضت على الطرفين إعادة النظر في طبيعة هذه العلاقة. هنا برز دور إيمانويل ماكرون الذي سعى إلى إعادة تموقع بلاده ضمن شركاء استراتيجيين خارج الاتحاد الأوروبي، واضعا المغرب في صلب هذه الرؤية.
في هذا السياق، تبدو زيارة الدولة المرتقبة تتويجا لمسار إعادة الثقة، لكنها أيضا لحظة اختبار لمدى قدرة البلدين على الانتقال من منطق “رد الفعل” إلى منطق “الفعل الاستباقي”. وكما عبر الدبلوماسي الفرنسي فيدرين هوبرت، أحد مهندسي مشروع المعاهدة الجديدة: “العلاقات التي لا تتجدد، تتآكل”، في إشارة واضحة إلى الحاجة لبناء إطار مؤسساتي حديث يواكب تحولات العصر.
اختيار تشكيل “لجنة حكماء” للإعداد لمعاهدة ثنائية جديدة ليس تفصيلا تقنيا، بل يعكس تحولا في منهجية التفكير السياسي. فبدل الاقتصار على القنوات الرسمية، تم إشراك شخصيات فكرية وثقافية، من بينها الكاتبة ليلى سليماني، في مقاربة تقارب ما سماه أنطونيو غرامشي بـ“المثقف العضوي”، أي ذاك الذي يساهم في صياغة الرؤية المجتمعية والسياسية.
هذا التوجه يعكس وعيا متزايدا بأن العلاقات الدولية لم تعد حكرا على السياسيين فقط، بل أصبحت فضاء تتقاطع فيه الأبعاد الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. وهو ما ينسجم مع قول جوزيف ناي: “القوة في القرن الحادي والعشرين ليستفقط في السلاح، بل في القدرة على الجذب والإقناع”.
لا يمكن قراءة هذا التقارب دون التوقف عند التحول في الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية. فالدعم الذي عبرت عنه باريس لمقترح الحكم الذاتي لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل شكل نقطة انعطاف في مسار العلاقة. إدماج هذا المعطى ضمن معاهدة ثنائية محتملة سيعني، عمليا، نقل الملف من دائرة “التدبير الأممي” إلى فضاء “الالتزام السياسي الثنائي”.
وهنا يبرز منطق الواقعية السياسية، كما صاغه هنري كيسنجر بقوله: “السياسة الخارجية هي فن ترتيب الأولويات، لا الدفاع عن المبادئ المجردة”، وهو ما يفسر إعادة ترتيب باريس لأولوياتها في المنطقة.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم: هل نحن أمام شراكة متكافئة فعلا، أم مجرد إعادة صياغة لعلاقة تقليدية بلبوس جديد؟
المؤشرات الحالية توحي بوجود إرادة مشتركة لتجاوز اختلالات الماضي، خصوصا في ظل سعي المغرب إلى ترسيخ موقعه كقوة إقليمية صاعدة، مقابل حاجة فرنسا إلى شركاء موثوقين في بيئة دولية متقلبة. غير أن تحقيق هذا التوازن يظل رهينا بمدى قدرة الطرفين على ترجمة النوايا السياسية إلى سياسات ملموسة.
في النهاية، لا يمكن اختزال زيارة الملك محمد السادس إلى فرنسا في بعدها الرمزي فقط، بل يجب قراءتها كجزء من إعادة تشكيل أوسع للتحالفات في المنطقة. وإذا ما نجحت “معاهدة الحكماء” في بلورة إطار استراتيجي واضح، فإن العلاقات المغربية–الفرنسية قد تدخل فعلا مرحلة جديدة، عنوانها “الشراكة الواعية”.
وكما يقول الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس: “التفاهم الحقيقي لا يقوم على المصالح فقط، بل على الاعتراف المتبادل”.
فهل تنجح الرباط وباريس في تحويل هذا الاعتراف إلى شراكة مستدامة؟ أم أن رهانات الجغرافيا السياسية ستعيد إنتاج التوترات بصيغ جديدة؟
الأكيد أن خريف 2026 لن يكون مجرد موعد دبلوماسي، بل لحظة اختبار حقيقية لعلاقة ظلت دائما بين الممكن والضروري.
