Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الصحراء المغربية: مواجهة حاسمة بين براغماتية المغرب وعزلة الجزائر الدبلوماسية..بقلم/ميمونة داهي

في سياق الصراع المستمر حول قضية الصحراء المغربية، تتبدى الجزائر كطرف محوري يسعى للتأثير على مجريات هذا النزاع في الأروقة الدولية، حيث تستغل كل فرصة لتعزيز مواقفها التقليدية الرافضة للحلول الواقعية التي يقترحها المغرب. يظهر هذا بوضوح من خلال استخدامها لرئاستها الحالية لمجلس الأمن الدولي في يناير، لتكرار مواقفها المعروفة بدلًا من تقديم رؤية جديدة. هذا النهج يعكس حالة الجمود التي تعاني منها السياسة الجزائرية في التعامل مع هذا الملف، على الرغم من التطورات الدولية المتسارعة التي باتت تميل نحو تبني مبادرات الحل السياسي، مثل مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب.

الجزائر تنطلق في تعاملها مع قضية الصحراء من منطلقات تاريخية وإيديولوجية تعود إلى فترة ما بعد الاستقلال. تبنت حينها استراتيجية تقوم على دعم الحركات الإنفصالية في القارة الأفريقية والعالم العربي كوسيلة لتعزيز مكانتها الإقليمية. دعم جبهة “البوليساريو” كان امتدادًا لهذه السياسة، التي أصبحت مع مرور الزمن جزءًا من هوية النظام الجزائري. لكن هذه المواقف التي بُنيت على أساس التنافس الإقليمي مع المغرب، باتت في الوقت الراهن تُظهر عجز الجزائر عن التكيف مع التحولات الدولية. التوتر التاريخي بين البلدين، بدءًا من حرب الرمال عام 1963 وصولًا إلى النزاع حول الحدود وملفات اقتصادية وأمنية، أدى إلى خلق بيئة صراع دائم تُستخدم فيها قضية الصحراء كأداة استراتيجية.

الضغوط الداخلية التي تواجهها الجزائر تُعد من العوامل الرئيسية التي تفسر تمسكها بمواقفها الصلبة تجاه قضية الصحراء. الأزمات السياسية التي أُبرزت من خلال حراك 2019 والاحتجاجات الشعبية التي تطالب بإصلاحات عميقة في النظام السياسي كشفت عن هشاشة النظام وافتقاده لشرعية داخلية قوية. في هذا السياق، توظيف قضية الصحراء أصبح وسيلة لتوحيد الجبهة الداخلية وصرف الأنظار عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تتفاقم بفعل تراجع عائدات النفط، الذي يُعد المصدر الأساسي للدخل القومي الجزائري. هذه الأزمات الداخلية تجعل الجزائر أقل قدرة على تمويل سياسات خارجية مكلفة مثل دعمها المستمر للبوليساريو، ما يُضعف موقفها على الساحة الدولية.

على النقيض من ذلك، يواصل المغرب تبني سياسة دبلوماسية مرنة وفعالة، ترتكز على تقديم حلول واقعية للنزاع. مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب عام 2007 تمثل نموذجًا للتفكير البراغماتي، حيث توفر إطارًا يحترم تطلعات سكان الأقاليم الجنوبية ضمن السيادة المغربية. هذه المبادرة حظيت بتأييد واسع من قوى دولية كبرى، على رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، إلى جانب دعم متزايد من الدول الأفريقية والعربية. المغرب لا يكتفي بالدبلوماسية التقليدية، بل يُعزز من موقعه عبر استثمارات تنموية ضخمة في الأقاليم الجنوبية. مشاريع البنية التحتية، مثل ميناء الداخلة ومشروعات الطاقة المتجددة، تعزز من شرعية السيادة المغربية على هذه المناطق، وتقدم صورة إيجابية عن قدرة المغرب على دمج الأقاليم الجنوبية ضمن مشروع تنموي شامل.

من جهة أخرى، يظهر أن الجزائر لم تستغل رئاستها لمجلس الأمن بالشكل الأمثل. بدلًا من تقديم مبادرات تُسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي أو معالجة قضايا دولية حيوية مثل الإرهاب والتغير المناخي، ركزت الجزائر أجندتها على إعادة تكرار خطابها بشأن الصحراء. هذا التركيز الأحادي يكشف محدودية الرؤية الجزائرية وعدم قدرتها على التكيف مع التحولات العالمية، حيث باتت أغلب القوى الدولية تتبنى حلولًا أكثر واقعية للنزاعات الإقليمية، مع التركيز على التنمية والتعاون.

النزاع حول الصحراء المغربية له تداعيات عميقة على الاستقرار الإقليمي. العلاقات المغربية الجزائرية المتوترة تُعرقل أي جهود لتحقيق تكامل اقتصادي في منطقة المغرب العربي، ما ينعكس سلبًا على التنمية الإقليمية. هذا الانقسام يجعل المنطقة أكثر عرضة للتحديات الأمنية، خاصة مع انتشار الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، التي تستغل الفراغات الأمنية الناجمة عن غياب التنسيق بين الدول المغاربية. علاوة على ذلك، استمرار هذا الصراع يُعطي انطباعًا بأن المنطقة غير قادرة على تجاوز الخلافات التاريخية لصالح مستقبل مشترك.

في ظل هذه الديناميكيات، تجد الجزائر نفسها في مفترق طرق استراتيجي. الاستمرار في سياسة الجمود الحالية سيؤدي إلى مزيد من العزلة الدولية، خاصة مع تزايد الدعم العالمي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية. في المقابل، تبني سياسة أكثر براغماتية قد يُمكن الجزائر من تجاوز هذا الجمود. هذه السياسة يمكن أن تشمل إعادة تقييم مواقفها من النزاع، والبحث عن حلول وسط تضمن استقرار المنطقة وتُحافظ على مصالح جميع الأطراف. التعاون الإقليمي في مجالات مثل الأمن والتنمية الاقتصادية يمكن أن يُصبح منصة لإعادة بناء العلاقات المغربية الجزائرية.

في المحصلة، يظهر أن الجزائر بحاجة ماسة إلى إعادة صياغة سياساتها الخارجية بما يتماشى مع التحولات العالمية. العالم اليوم يتجه نحو مقاربات تعاونية لحل النزاعات، في حين أن التمسك بالمواقف التقليدية لم يعد يُلبي متطلبات العصر. على الجانب الآخر، يثبت المغرب قدرته على التأقلم مع المتغيرات الدولية من خلال اعتماد دبلوماسية قائمة على الواقعية والتنمية. إذا استمرت الجزائر في تجاهل هذا الواقع، فإنها تخاطر بفقدان مكانتها الإقليمية، ليس فقط في قضية الصحراء، بل في القضايا الإقليمية والدولية الأخرى. من هنا، يظل السؤال الأساسي: هل ستختار الجزائر طريق العناد والتصعيد، أم ستتبنى سياسة جديدة تعكس نضجًا سياسيًا واستعدادًا لمواكبة متغيرات العصر؟


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...