مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
تعد قضية تقديم بعض النواب البرلمانيين شهادات طبية مشكوك في صحتها لتبرير غيابهم عن اجتماعات البرلمان والجلسات العامة أكثر من مجرد ظاهرة سلوكية فردية؛ فهي تعبر عن أزمة هيكلية ترتبط بطبيعة النظام السياسي والثقافي الذي يُعيد إنتاج هذه الظواهر. على المستوى السيمولوجي، يمكن قراءة هذا السلوك باعتباره علامة دالة على الانفصال بين النصوص المؤسسية والدلالات الاجتماعية التي يفترض أن تحملها. بمعنى آخر، حين يفترض أن البرلمان رمز للتمثيل الديمقراطي والعمل التشريعي، يتحول بفعل هذه الممارسات إلى مساحة تُمثّل فيها السلطة شكلياً، بينما تغيب عنها روح الالتزام والمسؤولية التي تضمنها العلاقة التعاقدية بين الممثل والناخب.
الشهادة الطبية، في هذا السياق، لم تعد مجرد وثيقة قانونية تثبت عجزاً أو مرضاً، بل تحولت إلى أداة رمزية تُستخدم للتهرب من المسؤولية. هذه الرمزية تعكس ازدواجية الخطاب الذي يمارسه بعض النواب، حيث يظهرون التزاماً صورياً بالقواعد القانونية، بينما يمارسون فعلياً سلوكاً يتناقض مع مضمون تلك القواعد. هذه الازدواجية تُظهر أزمة أعمق في القيم التي تحكم السلوك السياسي، إذ تتحول أدوات القانون من وسائل لضمان الشفافية والمساءلة إلى آليات لتبرير الخلل والتحايل.
هذا يكشف أيضاً عن تناقض في دلالة السلطة. النائب البرلماني، بوصفه رمزاً للتمثيل الشعبي، يجسد في الخطاب السياسي الرسمي صوت الشعب وحامي مصالحه، لكن غيابه عن الجلسات واستخدامه لشهادات طبية واهية يُفرغ هذه الرمزية من معناها. هذا التناقض يشوه صورة المؤسسة التشريعية ويحولها في المخيال الجمعي من فضاء لإنتاج السياسات العامة إلى مسرح للعبث السياسي، حيث تصبح المصالح الذاتية أولوية على حساب المسؤولية الجماعية.
هذا التحول في دلالة السلطة يُعمق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسة. حين يرى المواطن أن النائب الذي انتخبه يسيء استخدام صلاحياته، تصبح كل الخطابات التي تروج للديمقراطية والمساءلة موضع شك. هنا تنشأ ظاهرة أعمق، وهي “تفكيك الثقة”، حيث لا يقتصر الأمر على عدم تصديق الناخب للبرلمان، بل يمتد ليشمل النظام الديمقراطي بأكمله. هذه الظاهرة تُفسر تراجع نسب المشاركة في الانتخابات وزيادة العزوف السياسي، باعتبارهما تعبيراً عن انهيار الرمز الديمقراطي في وجدان المواطن.
ما يزيد الأمر تعقيداً هو دور الأحزاب السياسية، التي كان يفترض أن تكون حاضنة للقيم الديمقراطية وأداة لتأطير العمل السياسي. غياب المحاسبة الحزبية وعدم تفعيل آليات الانضباط الداخلي يعكس ضعفاً بنيوياً في أداء الأحزاب، ويؤدي إلى تسهيل استمرارية هذه السلوكيات. الأحزاب هنا تتحول إلى كيانات تُشرعن السلوكيات غير المسؤولة عوض أن تكون ضامناً للأداء السياسي الجاد. هذا التواطؤ الضمني يعزز استمرارية الرمزية السلبية للمؤسسة التشريعية.
من زاوية أعمق، يمكن تفسير هذا الوضع ضمن إطار ثقافة سياسية تسودها البراغماتية المفرطة، حيث يُنظر إلى المناصب السياسية كمصدر امتيازات شخصية أكثر من كونها مسؤولية تجاه الوطن. في هذه الثقافة، تتحول القوانين إلى أدوات شكلية تُحترم في ظاهرها، بينما يُسعى إلى تجاوزها في جوهرها. هذه الثقافة تُنتج جيلاً من السياسيين الذين يفتقرون إلى الإحساس بالمصلحة العامة ويتعاملون مع الشأن العام بمنطق الربح والخسارة، لا بمنطق الخدمة والمسؤولية.
لمواجهة هذه الأزمة المتعددة الأبعاد، لا بد من إعادة بناء الرمز البرلماني من خلال إصلاح شامل لا يقتصر على تعزيز آليات المراقبة والعقاب، بل يتعداها إلى تغيير السلوكيات والقيم التي تؤطر العمل السياسي. هذا الإصلاح يجب أن يشمل توعية المواطنين بدورهم الرقابي، إلى جانب إصلاح المنظومة الحزبية والقانونية لتضمن تكوين نخب سياسية تمتلك الكفاءة والأخلاقيات اللازمة لتحمل المسؤولية. كما أن تفعيل آليات جديدة لربط الأداء البرلماني بالمحاسبة المباشرة، مثل تقارير أداء فردية تُنشر للرأي العام، يمكن أن يساهم في تعزيز الشفافية واستعادة الثقة.
بالتالي، فإن تقديم الشهادات الطبية المزورة ليس مجرد فعل فردي معزول، بل هو علامة على أزمة عميقة في بنية النظام السياسي والثقافي. هذه الأزمة تتطلب قراءة جذرية تربط بين السلوك الفردي والسياق العام، وتعمل على معالجة جذورها لضمان عودة الحياة السياسية إلى مسارها الصحيح، بما يُعيد للبرلمان مكانته كمؤسسة تمثل إرادة الشعب وتُدافع عن مصالحه بكل نزاهة وفعالية.
