مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
بيان وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية الأخير، الذي جاء تعقيبًا على إعادة تأكيد الولايات المتحدة الأمريكية دعمها لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، لا يمكن قراءته كإجراء دبلوماسي عابر أو موقف مبدئي، بل يجب فهمه كعلامة بارزة على حالة من القلق البنيوي تعيشها المؤسسة الجزائرية الحاكمة في ظل تغير موازين القوى إقليميًا ودوليًا. فالبيان لا يعبر فقط عن خيبة أمل، بل يكشف عن اختلالات عميقة في الرؤية السياسية الجزائرية وتآكل قدرتها على قراءة التحولات الجيوستراتيجية المحيطة بها.
الجزائر التي لطالما ادعت الحياد في نزاع الصحراء، تظهر من جديد كطرف مباشر ومتورط سياسيًا وأمنيًا، بل وأكثر من ذلك، كدولة تصرّ على إحياء سردية قديمة لم تعد تجد صدى إلا في الدوائر المغلقة داخل النظام نفسه. التمسك بما يسمى “حق تقرير المصير” في السياق الصحراوي لم يعد قابلًا للصرف السياسي في العالم المعاصر، لا من حيث المرجعية القانونية ولا من حيث المصلحة الدولية. القرار 1514 الذي يُستدعى في كل بيان جزائري لم يكن يومًا نصًا جامدًا، بل هو قرار وُلد في سياق تاريخي تجاوزته الأمم المتحدة ذاتها، وأصبح يخضع اليوم لتفسير جديد يتماشى مع الحلول الواقعية التي توازن بين احترام وحدة الدول وتحقيق تنمية الأقاليم المتنازع عليها.
أكثر ما يلفت في رد الفعل الجزائري ليس فقط إصراره على خطاب متجاوز، بل عجزه عن تقبل واقع جيوسياسي جديد تتشكل فيه خرائط التحالفات على أساس البراغماتية لا الإيديولوجيا، وعلى أساس الاستقرار لا المغامرة. الجزائر التي حاولت طيلة عقود أن تفرض رؤيتها للنزاع عبر أدوات الحرب الباردة من خلال الدعم غير المشروط للبوليساريو، وجدت نفسها اليوم أمام واقع دولي جديد، تتحول فيه عواصم القرار العالمي واحدة تلو الأخرى لدعم الطرح المغربي، لا قناعة عاطفية بل وعيًا بأن هذا الحل هو الوحيد الممكن والأكثر اتساقًا مع الواقع.
البيان يعكس أيضًا أزمة خطاب داخل الدولة الجزائرية، حيث يُلاحظ الإصرار على تقديم الصراع كما لو أنه صراع قانوني صرف، بينما يتم تجاهل جميع عناصر القوة والشرعية التي راكمها المغرب على الأرض، سياسيًا وتنمويًا. في لحظة أصبحت فيها الصحراء المغربية فضاءً لاستثمارات ضخمة، وقاطرة للمبادرات الإفريقية والانفتاح الأطلسي، لا تزال الجزائر تتحدث بلغة القرارات المؤرشفة، في تناقض صارخ مع ديناميات العصر. إنها تحاول أن تُجمّد الزمن السياسي في منطقة تتحرك فيها العواصم الكبرى بسرعة، وتُعيد صياغة مقارباتها وفق معايير المصلحة والاستقرار والتعاون الإقليمي.
مفارقة كبرى تكشفها أيضًا اللهجة التحذيرية للبيان، والتي تحاول التلميح إلى أن دعم الولايات المتحدة للحكم الذاتي هو “انحراف عن القانون الدولي”، وكأن الجزائر تحتكر تفسير القانون ووصايته، بينما تجاهلت أنها نفسها لم تلتزم يوما بروح هذا القانون في ملفات داخلية، بل استخدمته أداة انتقائية، تدين به خصومها وتتجاهله حين يقترب من بنية النظام أو وحدة أراضيها. فكيف يمكن لدولة تدّعي الدفاع عن تقرير المصير أن تجرّم كل دعوة انفصالية في داخلها وتُمارس عسكرة ممنهجة ضد الحركات الثقافية والسياسية المعارضة؟
إن الجزائر اليوم لا تواجه المغرب فقط، بل تواجه لحظة الحقيقة في علاقاتها الدولية، حيث لم يعد ممكنًا الاستمرار في ازدواجية الخطاب، أو في بيع أوهام الثورية التحررية على منصة عالم بات يشتغل بمنطق الأمن، التنمية، والاستقرار. لقد سقطت أقنعة “الحياد” و”الدفاع عن القيم الأممية”، وظهرت النوايا الجيوسياسية العميقة، التي تحاول الجزائر من خلالها عرقلة مشروع مغربي إقليمي صاعد يهدد موقعها التقليدي كقوة إقليمية في شمال إفريقيا.
إن البيان الجزائري، بكل ما يحمله من رسائل، هو تعبير عن أزمة دولة ترى في ثبات الموقف المغربي واكتسابه للشرعية الدولية تهديدًا لبنيتها الداخلية قبل أن يكون تحديًا خارجيًا. لذلك، فإن هذا النوع من الخطاب ليس إلا محاولة لتجميل التراجع وفقدان التأثير، في عالم لم يعُد يمنح اعترافًا للأنظمة الجامدة، بل لأولئك الذين يملكون رؤية واقعية، واستراتيجية ناعمة، وشرعية تاريخية وشعبية متجذرة.
