مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
توطئة
نشر السيد محمد محجوب، على صفحات بعض المواقع الإلكترونية، بتاريخ 17 يناير 2021، مقالا يحمل عنوان: “الترجمة في مواجهة التحامل: ملاحظات على مقال الناقد خليد كدري”. والحال أن مقال الناقد، كاتب هذه السطور، مهما بلغت حدة بعض مفرداته، لا يتضمن مثل هذا السيل من القدح والتعريض والتهجيل والهمز واللمز الذي تضمنه رد السيد محجوب. وما كنا نظن أن الأمر سينحط إلى هذا الدرك الأسفل. ولم تسلم المواقع الإلكترونية نفسها من لسان السيد محجوب، فوضعها جميعا في سلة واحدة، ووصفها بما لا يليق من الأوصاف. ولو كان متماسكا مع نفسه، لما استشهد بما نشرته بعض المواقع الإلكترونية في ردوده على الناقد، بل لما اتخذها مرجعا يستفتيه في العديد من تعاليقه على النص المترجم (ومنها موسوعة “ويكيبيديا” التي لا يشير إليها!). فالظاهر أن السيد محجوب تمنى لو أن الفضيحة ظلت محجوبة عن أنظار الشعب التونسي الذي يمول معهد الترجمة الموقر من ضرائبه وأقوات عياله. ولعله خشي من احتجاجات الكتبيين، وربما من استفسارات أهل الجزيرة الغطاريف الذين توجوه. ولا تفسير للهوش الذي أثاره مقالنا إلا هذه الأمور أو بعضها…
وقد استشهد السيد محجوب بترجمة كتاب غادامير، وما تلاها من نقد لم يبلغ في حدته، كما يقول، ما بلغه نقدنا لترجمة كتاب غوسدورف. وهذه مغالطة سافرة، ذلك لأنه لا قياس مع وجود الفارق كما يقول أهل التحقيق. فالمترجم لم ينع في تعليقه أحدا من الأحياء! ولم يأت بمعلومات تدل على جهل مبين بتاريخ الفكر! ولا هو خرق أبسط قواعد اللغة…إلخ! ولنفترض جدلا أن القياس جائز، ألم يعب جان-كلود بوتي ترجمة إتيان صقر ووصف أخطاءها بـ”الفادحة” أو “البذيئة” grossières؟ وهل قلنا نحن شيئا غير ذلك؟
ولعل السيد محجوب يعتقد أن كل الناس أغبياء، فأوهم في رده أن ناقد الترجمة إنما انتقدها بسائق من ضغينة، وأنه لما أقصي من آخر مراحل المنافسة على جائزة الشيخ زايد، عمد إلى نقدها لغرض في نفس يعقوب، وهذه مغالطة معروفة في السفسطة، وتسمى (تصرُّفًا) بـ”حجة الدافع” Procès d’intention، لكنها لا تنطلي على النبهاء. ولنفترض جدلا أن الناقد عاب الترجمة لغرض في نفس يعقوب، هل كانت ملاحظاته النقدية مجرد تخرص؟ إن “الحق يقبل من أي جهة جاء”، لكونه حقا بصرف النظر عن قائله، ولو كان خصما لدودا أو شيطانا رجيما. هذه قاعدة معروفة عند الأصوليين، فلم يأباها منتسب إلى “الفلسفة”؟
المعزنطارية مفهومًا
ونستهل ردنا على مقال السيد محجوب بشرح المصدر الصناعي “معزنطارية” Mi‘zantarisme الذي نحتناه من أجل المناسبة، وعَنَّنا به المقال، لا توكيدا لقدرات اللسان العربي فحسب، بل تشخيصا طريفا لأحد الأدواء المستبدة بإنسانيتنا العربية منذ زمن أيضا. ونقصد به، من غير إفاضة، نزعة العناد من أجل العناد أو من أجل غايات لا تشرف الإنسان، كما يفهم من المثل العربي السائر: “مِعْزَى وإن طارت”، وهو معروف، ومنه نحتنا “المعزنطارية”…
لقد اعترف السيد محجوب، على مضض، بطائفة من أخطائه الفادحة التي نبهنا عليها في مقالنا (وعددها 26 من أصل 69)، لكنه عاند في أخطاء أخرى لا تقل فداحة (وعددها 43)، سالكا سبل المغالطة والتدليس. وسنرد على ما عاند فيه السيد محجوب من الأخطاء واحدا واحدا، بالأدلة والبراهين التي لا مجمجة فيها، مع مراعاة ترتيبها كما وردت في مقالنا السابق، وذلك على النحو الآتي:
السيد محجوب مغالطًا ومدلسًا
وهذا كلام غير صحيح إطلاقا. ولم يقدم السيد محجوب ولو دليلا واحدا على أن التمييز بين “هليني” و”هلنستي” «غير مستقر في الكتابة التاريخية العربية»! وليت شعري عن أية “كتابة تاريخية” يتحدث! وحتى لو سلمنا بصحة كلامه، هل يقوم حجة على مؤرخي العالم كافة؟ هل “الهلنستية” افتيات أكاديمي غربي منذ أواخر القرن التاسع عشر؟ ويبدو أن السيد محجوب يخلط الأوراق حين يذكر فنكلمان ويتجاهل دريزن. فكتاب يوهان فنكلمان (1755) إنما يدور في فلك تاريخ الفن لا غير، وقد رفع شعار “شد الرحال إلى أثينا” nach Athens reisen، أي إلى الفن “الإغريقي المحض” أو “الهليني” على حساب الفن “الهلنستي” الأقل قيمة في نظره، ووجهه رأسا إلى الفنانين والجماليين. أما كتاب يوهان دريزن (1836)، فهو يتعلق بالتاريخ العام في مختلف أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية…، وكانت له تداعيات مهمة في تاريخ الدراسات الهلنستية إلى غاية يومنا هذا. لقد كان لموقف فنكلمان الإستطيقي أنصار وخصوم. فهل يقوم موقف أنصاره حجة على بطلان كل حديث عن “الهلنستية” بعيدا عن أحكام الذوق؟ وهل يستسيغ عاقل أن يكون هذا موقف فنكلمان نفسه؟ أما عن احتجاج السيد محجوب بكتاب “السنة والإصلاح”، فينطوي على تدليس آخر، ذلك لأن الأستاذ العروي لا يدل بالصفة “هلنستي” على “كامل القدامة الإغريقية” كما زعم، بل إنما يدل بالصفة على المعنى الذي ذكرنا مع تمديده للفترة “الهلنستية” إلى عهد الإسلام على شاكلة عدد من المؤلفين. ففي تعليقه على عبارة “العهد الهلستيني” (يريد: “الهلنستي”)، يوضح الأستاذ العروي في الهامش قائلا:
«[يمتد العهد الهلنستي] تقريبا من فتوحات الإسكندر المقدوني (بداية القرن الرابع قبل الميلاد) إلى ظهور الإسلام (أواسط القرن السادس بعد الميلادي).» (عبد الله العروي، السنة والإصلاح، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2008، ص.17.)
أما فولتير “الهلنستي” بالمعنى الذي ذكرنا، لا بمعنى “الإغريقي”، فمعلوم من كتابات فولتير قبل غيره. فليرجع السيد محجوب إلى تقرير الأستاذ بيار بريان، المحاضر في “كوليج دو فرانس”، على سبيل المثال، ليقرأ عن شغف الفيلسوف الأنواري بالإسكندرية، عاصمة البطالمة، وباريس العهد “الهلنستي” بلا منازع، وهو هذا:
(Pierre Briant, « Histoire et civilisation du monde achéménide et de l’empire d’Alexandre », in Cours et travaux du Collège de France. Annuaire 108e année, Collège de France, Paris, décembre 2008, p. 581-591.)
وما دام السيد محجوب لا يتحرج من الاحتجاج بالروابط الإلكترونية، فبإمكانه أن يطالع التقرير عن طريق الرابط الآتي:
https://journals.openedition.org/annuaire-cdf/160
أما قوله: «وحرصا على المقروئية قررنا – تأويليا -…»، فلا يحتاج المرء إلى فطنة كبيرة ليتبين فيها مغالطة “حجة التوسل بالنتيجة” argumentum ad consequentiam، وهي معدودة في أساليب السفسطة. فأيهما أهم يا ترى: الحرص على الموضوعية أم الحرص على “المقروئية”؟ وهل سلطان العلم يكمن في البراهين أم في “القرارات”؟
وجوابا على سؤال السيد محجوب عن كيفية ترجمة الصفة hellénique ، نقول: إن هذه الصفة تدل على ما هو إغريقي خالص، فتترجم “هليني” (أو “إغريقي” تَسَمُّحًا). ونقول: “ما هو إغريقي خالص”، تمييزا له عما هو إغريقي “مُهجَّن” أو مخضب بألوان الحضارات الشرقية والمصرية واللاتينية… وما هو إغريقي خاص أو “هليني” يختم تاريخيا برحيل الإسكندر أو ما يقارب ذلك، والعهد الذي يليه هو “الهلنستي”. وثمة خلاف فرعي عند المؤلفين في مسألة حدوده وامتداداته.
أما قوله: «إنما تعود هذه المؤاخذة إلى اختلاف جذري في الرؤية الترجمية حيث إن رؤيتنا تأويلية، تعتبر القارئ المتلقي عنصرا فاعلا في الترجمة»، فلا يصح إلا في المقام الذي يجوز فيه التأويل، وإلا صار من حق كل من ارتكب خطأ فادحا (لمكان الإهمال أو قلة الاطلاع أو غير ذلك) أن يتعلل بـ”الرؤية الترجمية” و”الرؤية التأويلية” وغيرها من الشقشقات اللفظية التي صارت تلاك لَوْكًا من قبل شريحة عريضة من متفلسفة هذا الزمان.
(Alain de Libera, Archéologie du sujet, 3 vols, vol. 1. Naissance du sujet, Paris, Vrin, 2007, p. 69 sq.)
«أَحال عليه الحول أَي حال…وأَحال عليه: استضغفه. وأَحال عليه بالسوط يضربه أَي أَقبل. وأحلت عليه بالكلام: أَقبلت عليه… وأَحال عليه الماء: أفرغه…» (ابن منظور، لسان العرب، 15 ج.، بيروت، دار صادر، ج. 11، ص. 184، 193-193.)
. أما “التحويل” الذي ذكر، فهو من معاني الفعل ومشتقاته التي ذكرها لسان العرب وغيره سواء تَعَدَّى الفعل بـ”على”، كما في المعاجم القديمة، أم بـ”إلى”، كما في المعاجم الحديثة، مثل “المعجم الوسيط” الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة الذي نقرأ فيه:
«أحال الشيء: نقله. وأحال العمل إلى فلان: ناطه به. وأحال القاضي القضية إلى محكمة الجنايات: نقلها إليها…». (المعجم الوسيط، القاهرة، مجمع اللغة العربية ط. 4، 2004، ص. 209.)
إن الكثير من الأفعال العربية تتعدى بـ”إلى” و”على”، والمعنى واحد، كما هو الحال في الفعل “نبه” (المرجع نفسه، ص 899). وعلى هذا كله، فتعدية الفعل بـ”إلى”، في معنى “نقل” القارئ إلى مرجع ما مثلا، جائز وإن لم تذكره المعاجم القديمة (وهل ذكرت المتعدي بـ”على” في هذا المعنى؟). وبالمثل، يمكن القول إن أمرا ما يحيل إلى كذا، وهذا هو بيت القصيد، فنقول: إن عبارةmettre en cause في الأمثلة التي أوردناها لا تعني “التشكيك” أو “الارتياب”، بل تعني “الإحالة إلى”، ويجوز أيضا أن يقال “الاستدعاء”…فأمر ما يحيل المرء إلى ذكرى أو يستدعي ذكرى بمعنى واحد. وفي معاجم اللغة الفرنسية المرجعية نلفي عبارةmettre en cause التي قد ترادف: citer، appeler، invoquer؛ وكلها تفيد ما ذكرنا من المعاني.
إن دفاع السيد محجوب عن ترجمة mettre en cause بـ”التشكيك” أو “الارتياب”، في ما أوردناه من أمثلة، لا سند له سوى فتواه: «لا بد من الاعتراف بأن هذه قراءة ممكنة»! وبعبارة أخرى: إنه سند معزنطاري! أما إذا تحقق أنه صادق مع نفسه في ما يقول، فإن ذلك لا يعني سوى شيء واحد، وهو أنه لم يفهم النص الذي راجع ترجمته. ومن المؤسف على الخصوص أن يتقلد أكاديمي دعوى باطلة بإجماع الفرق، إذ ينفي كل علاقة للرومنطيقية بمفهوم اللاوعي! بينما الكتب والمقالات التي عالجت مسألة “اللاوعي الرومنطيقي” لا تحصى من كثرتها في شتى اللغات…ثم ماذا نقول عن كتابات شيوخ الرومنطيقية أنفسهم؟ وهل مفهوم اللاوعي وقف على الفرويدية وذيولها؟ ماذا عن أعمال شيلينغ وشوبنهاور ونيتشه وأميال وهارتمان، (صاحب كتاب “فلسفة اللاوعي”، 1869!)… وغيرهم؟ وكيف يقرأ السيد محجوب القول الآتي للرومنطيقي الكبير كارل غ. كاروس؟:
« Der Schlüssel zur Erkenntniß vom Wesen des bewußten Seelenlebens liegt in der Region des Unbewußtseins. » (Carl Gustav Carus, Psyche: zur Entwicklungsgeschichte der Seele, 1846, p. 1.)
أليس معنى هذا الكلام أن مفتاح أو سر الوعي يكمن في اللاوعيUnbewusstsein) )؟ وهل كان يلزم كل هذا العناد حفاظا على ترجمة عبارةmettre en cause بـ”التشكيك” أو “الارتياب”؟ اللهم إلا إذا كان السيد محجوب لا يعلم ما يعلمه أي طالب فلسفة! وفي هذه الحالة، ننصحه بقراءة مادة “اللاوعي الرومنطيقي” (جاك فابري) من “معجم العالم الجرماني”:
(J. Fabry, « Inconscient romantique », Dictionnaire du monde germanique, Paris, Bayard, 2007, p. 538-539.)
أو قراءة الفصل الرابع من كتاب “تاريخ اكتشاف اللاوعي” لهنري إلينبرغر:
(H. F. Ellenberger, Histoire de la découverte de l’inconscient (1970), Paris, Fayard, 1994, p. 232-241.)
والحال أن هذه الشواهد التي أتى بها السيد محجوب إنما تؤيد ترجمتنا لا ترجمته، وتعد حجة عليه لا علينا، اللهم إلا إذا كان لا يعلم معنى الفعل العربي “تنكب” (أعرض عن، انصرف عن…). فالمؤلف لم يقل détourné par بل قالdétourné de ، ولكل واحدة منهما معنى وترجمة. ولو رجع إلى الموضع نفسه من الكتاب (ولن يرغب في ذلك بالتأكيد!) لوجد هذا الكلام لمان دو بيران الذي يقول فيه:
« Je suis toujours bien plus occupé de ce qui arrive en moi que de ce qui se fait hors de moi… » (G. Gusdorf, L’Homme romantique, Paris, Payot, 1984, p. 32.)
ومعنى هذا أن المتكلم منشغل بدخيلته أكثر من انشغاله بما يحدث في الخارج، أي أن دخيلته مُعرِضة أو منصرفة أو متنكبة عن الخارج… وهذا دليل آخر على فساد ترجمة السيد محجوب ومن معه!
والحال أن من معاني كلمة réticence في المعاجم الفرنسية أيضا: “التردد” أو “الحيرة” أو “التلجلج”… أو ما شابه ذلك:
« Réticence…réserve mêlée de désapprobation. Approuver sans (la moindre) réticence; dévouement sans réticence(s); manifester une/de vive(s) réticence(s) contre, à l’égard de qqn ou qqc. Ce charmant F. V. Arnold est le premier Allemand (et le seul) à qui j’aie parlé en Tunisie. J’hésitais à le rencontrer, puis jugeai que ma réticence était absurde (Gide, Journal, 1943, p. 213). Les situations dans lesquelles la politique de l’organisme international se heurte à la réticence, voire à la résistance ouverte de la formation nationale sans que cette dernière fasse de la divergence un motif de départ (Meynaud, Groupes pression Fr., 1958, p. 343). »
(بوابة المركز الوطني للموارد النصية والمعجميةCNRTL ، فرنسا – المعجم).
ونلاحظ من خلال هذه الشواهد، ولا سيما شاهد الكاتب أندريه جيد، أن كلمة hésitationقد ترادف كلمةréticence في مواضع. وعلى ذلك، فترجمة كلمة réticence بـ”كتمان”، في السياق الذي وردت فيه عند غوسدورف، باطلة بإجماع الفرق (إلا المعزنطارية طبعا!)…
وللقارئ النبيه أن يحكم بنفسه: هل العبارة الفرنسية تعني “ننسلخ عن كل إسهاماتنا في العالم الخارجي” أم “ننسلخ عن كل الواردات الخارجية”؟ وهل تحتمل العبارة الفرنسية ترجمتين متناقضتين تماما كما تذهب إلى ذلك هذه التأويلية المعزنطارية؟
ثم ما لبث أن طار إلى مسألة مدى صحة ترجمة مصطلحallégorie بـ”الأمثولة”، معددا بعض المراجع…لكننا لن نناقش مسألة ترجمة أو تعريب المصطلح في هذا المقال، لا تجنبا للطويل، بل لأن السيد محجوب إنما رام بإثارتها أن يصرف النظر عن الجوهر الذي هو الخطأ المرتكب في ترجمة عبارةadmirables générations بـ”أجيال رائعة”… كالمستجير من الرمضاء بالنار! وقد نعود إلى حديث “الأليغوريا” في مقال مستقل، ذلك لأن السيد محجوب اكتفى بتبني آراء غيره مقلدا وتابعا. وليعلم السيد محجوب أن لكلمةgénération معاني عديدة، منها “التكون”، وهو المعنى المراد بموجب السياق. ينقل غوسدورف عن الشاعر نوفاليسNovalis قوله:
« Etrange que l’intérieur de l’homme n’ait été jusqu’ici considéré que si pauvrement et traité avec si peu d’esprit. La prétendue psychologie appartient, elle aussi, aux fantômes qui ont usurpé dans le sanctuaire la place qui revenait à de véritables images divines. Comme on a peu utilisé jusqu’ici la physique pour le fond de l’âme, et le fond de l’âme pour comprendre le monde extérieur ! — Entendement, imagination, raison, voilà les misérables matériaux de l’univers en nous. De leurs extraordinaires mélanges, structurations, passages de l’un à l’autre, pas un mot. Personne n’a encore eu l’idée de chercher en nous des forces nouvelles, innommées — d’épier les rapports qui les unissent. — Qui sait quelles admirables liaisons, quelles admirables générations s’offrent encore à nous et au-dedans de nous-mêmes ! » (G. Gusdorf, op. cit., p. 40.)
وللقارئ النبيه، مرة أخرى، أن يحكم بنفسه: هل عبارةadmirables générations ، الواردة في آخر كلام نوفاليس، تعني “الأجيال الرائعة أم “التكونات الرائعة”؟ ومعلوم أن تراجمة أرسطوطاليس البغداديين ترجموا كتاب Περὶ γενέσεως καὶ φθορᾶς (وعنوانه الفرنسي: De la génération et de la corruption) بـ”الكون والفساد” لا بـ”الجيل والفساد”، وعلى رأسهم شيخ النقلة العلامة حنين بن إسحق العبادي الذي كان يحفظ هوميروس بلغته الإغريقية عن ظهر قلب! ومن العيب أن يعاند أكاديمي في مثل هذه البسائط…
ولكم يؤسفنا أن يصدر هذا الكلام عن أكاديمي ومترجم، ذلك لأن صاحبه يعتقد – ولا حول ولا قوة إلا بالله – أن الصفةévanouissant لا تعني سوى “مغمى عليه”، ويعتقد في المقابل أن الصفة évanescent هي التي تعني “منفلت” أو “متمنع عن الإمساك”… أو ما شابه ذلك! والحال أن الأولى تنحدر من الثانية، واشتقاقهما لاتيني معروف، وتستعملان في اللغة الفرنسية بالمعاني نفسها في أكثر من سياق، ومن معانيهما معا معنى الإغماء ومعنى الانفلات (أو التمنع عن الإمساك… إلخ):
« Evanouissant, ante…part. prés. de évanouir (s’)…emploi adj. qui s’évanouit, qui disparaît peu à peu…au fig. qui est insaisissable… »
« Evanescent, adj. XIXe siècle. Formé d’après le latin evanescens, participe présent de evanescere, « disparaître, s’évanouir », dérivé de vanus, « vide, sans substance… »
(بوابة المركز الوطني للموارد النصية والمعجميةCNRTL ، فرنسا – المعجم).
ثم إن المؤلف يقولinstant évanouissant وليسinstant d’évanouissement ، أي أن الأمر يتعلق بنعتadjectif لا بمضاف إليهcomplément du nom . وما كان ينبغي للسيد محجوب أن يتجاهل هذا الفرق. علاوة على أن السياق الذي وردت فيه العبارة يستبعد فكرة “الإغماء”، ويحيل بالأحرى إلى فكرة “الانفلات” بالمفهوم الزمني، تماما كما في العبارات الآتية للوي لافيل:
« Le caractère propre de la conscience, en effet, c’est d’engager dans le temps tout ce qui est extérieur à elle et possède par rapport à elle un caractère d’objectivité. Mais elle ne peut poser elle-même le temps sans le dépasser. Et de fait, elle est située tout entière dans le présent, ce qui ne veut pas dire dans un instant évanouissant, mais dans une actualité toujours renaissante où s’opère éternellement la conversion de l’avenir en passé… » (Louis Lavelle, De l’intimité spirituelle, Paris, Aubier, 1955, p. 285.)
«إنّ اختيار المترجم في هذه الجملة أصوب وأنسب للسياق، وندعوه ثانيا إلى مراجعة المعاجم الفرنسية فسيتعلم أن دلالة La vertu على معنى “الخاصية” لا تخلو من المعنى التقويمي التفضيلي وفي هذه الحالة لا نترجمها بخاصية بل بـ”مزية”، وهكذا فجملة les vertus des plantes médicinales تترجم بـ”مزايا الأعشاب الطبية” لا على النحو الذي انساق إليه الناقد».
ويبدو من هذا الكلام أن السيد محجوب يصر على الخلط بين استعمالين لكلمةvertu لا يخلو منهما معجم تاريخي: الاستعمال المعياري – وهو الغالب اليوم – الذي يراد به “الفضيلة” بمفهومها الشائع الذي ينطوي على حكم القيمة، والاستعمال الوصفي الذي يوافق أحد أوجه الاشتقاق اللاتيني ويراد به “الخاصة” (“الخاصية”) أو “القدرة” أو “القوة” بعيدا عن حكم القيمة. وإذا كان المعنى الأول يفترض الثاني، فإن العكس غير صحيح. والاستعمال الوصفي هو الذي كان سائدا في علوم الطب والصيدلة والكيمياء القديمة التي هيمنت عليها فلسفة العناصر والأمزجة والأخلاط… وما تزال بعض آثاره ملموسة إلى اليوم. ولو عدنا إلى المصنفات العربية القديمة في العلوم التي ذكرنا، لوجدنا حديثا عن “الخواص” و”القوى” (و”الأسرار” و”الصفات”… إلخ) لا عن “الفضائل” أو “المزايا”. وهي في ذلك توافق بعض أصول كلمةvertu في اللغة اللاتينية قبل أن يحجبها (عن العامة) الاستعمال الأخلاقي والديني والسياسي… ويصدق ذلك بالمثل على النباتات أو الأعشاب الطبية، فلا تترجم العبارة الفرنسية المذكورة بـ”مزايا الأعشاب الطبية” إلا إذا كان ذلك لغرض عملي محض (تجاري، بيداغوجي، تواصلي، إلخ). والمراجع العلمية متوافرة لمن يريد.
أما إذا ما رجعنا إلى السياق الذي وردت فيه العبارة، فسنجد أن المؤلف إنما أراد بكلامه “خاصة” (“خاصية”) الأصالة التي هي قائمة موضوعيا في “الأنا الرومنطيقي” بصرف النظر عن أي حكم قيمي، وهذا ما تشهد له عبارة de par sa dotation originaire التي تعني “بسبب ما خُصَّ به أصلا” أو “بفعل ما جبل عليه من أصله”، أو ما شابه ذلك:
« La vertu d’originalité est caractéristique du moi romantique. Chaque homme, de par la dotation originaire qui constitue sa personnalité, est appelé à mener une vie à sa ressemblance… » (G. Gusdorf, op. cit., p. 43.)
وينطوي هذا الكلام على تناقض سافر، ذلك لأنه إذا صح أن شليغل لا يقصد أن “السماء تحمي المبدع من الأعمال الخالدة”، فكيف تكون الترجمتان ممكنتين؟ وهل الترجمة تحتكم إلى أهواء المترجم، فيقوِّل المؤلف ما يريد بحجة أن هناك أفكارا لا يستسيغها؟ وقبل ذلك كله: هل الفعل يعنيpréserver qqn/qqc يعني “احتفظ لكذا بـكذا” أم “حفظ كذا من كذا”؟ فالظاهر أن السيد محجوب لا يفرق بين الفعلpréserver والفعلréserver ، فحاول أن يسوغ خطأه على حساب شليغل وغوسدورف والقارئ، فضلا عن اللغة العربية…ونورد هنا قول شليغل بلغته الأصلية، نقلا عن ف. شتريش، وهو هذا:
« Der Himmel behüte uns vor ewigen Werken… » (Fritz Strich, Deutsche Klassik uni Romantik, oder Vollendung und Unendlichkeit, Munchen, 3e éd., 1928, p. 25.)
وهذه ترجمته الإنجليزية :
« Heaven preserve us from eternal works… » (Helmut Illbruck, Nostalgia: Origins and Ends of an Unenlightened Disease, Evanston, Northwestern University Press, 2012 , p. 287.)
فليتدبره النبهاء ليحكموا بأنفسهم…
أما حديث “الخبر والإنشاء”، فلا يجدي ههنا فتيلا، ذلك لأن الالتباس إنما نشأ في ذهن السيد محجوب عن خلطه بين الفعلpréserver والفعلréserver ، مع أن الفرق بينهما لا يحتاج إلى بيان. ثم ما أدرى السيد محجوب أن قول شليغل خبر وليس إنشاء؟ ما دليله؟ وهل هذه القسمة مطلقة؟ ألا يعلم السيد محجوب أن الجملة قد تأتى خبرا في معنى الإنشاء؟ هذا درس بلاغي تعلمناه ونحن تلاميذ! ولن أقول أكثر من هذا…
ولعله يريد “فِعليّ” بالضم، لأن “لا” النافية للجنس تعمل عمل “إن”، و”فِعليّ” خبرها مرفوع! وهذه بسائط…أما العبارة التي ذكرنا، فمعناها في اللغة الفرنسية معلوم لا يحتمل عنادا، وهو انقياد المرء من حيث لا يدري للعبته، أي وقوعه في الشراك التي صنعها بنفسه. وهذا ما يقوله “معجم الأكاديمية الفرنسية” (الطبعة التاسعة):
« Être pris à son propre jeu, être la victime de ses propres intrigues, ou d’intrigues identiques à celles qu’on a menées. »
ويمكن الرجوع إليه عن طريق الرابط الآتي:
https://www.dictionnaire-academie.fr/article/A9J0205
« a “mysterium tremendum” which is fascinans et tremendum, which fascinates and entices at the same time as it terrifies and incites to flight… » (Vincent A. McCarthy, The Meaning and Dialectic of Moods in Kierkegaard, Stanford University, 1974, p. 101.)
وزعم ثالثا أننا أخطأنا لغويا لأننا أسبقنا النعت الثاني “الفتان” بواو العطف! فنقول: إن القاعدة النحوية – في الحالة التي يتعدد فيها النعت والعامل واحد – تجيز تفريق النعوت مسبوقة بواو العطف أو غير مسبوقة. ولا يصح ما يقول السيد محجوب إلا إذا كان المعنى المراد لا يتحقق إلا من اجتماع النعوت، وهذا ما يشرحه كتاب «النحو الوافي» للطلاب، إذ يقول: «إذا تعدد النعت، والمنعوت غير متعدد – لأنه واحد – وجب تفريق النعوت، مسبوقة بواو العطف أو غير مسبوقة، إلا الأول، فلا يُسبَق بها. نحو: لا شيء يقبُح في العين كرؤية عالم مختال، مغرور، أو: عالمٍ زَرِيِّ وضيعٍ، ويصح: كرؤية عالم مختال ومغرور، أو: عالم زريّ ووضيع…وتمتنع واو العطف إذا كان المعنى المراد لا يتحقق بنعت واحد، ولا يستفاد إلا من انضمام نعت إلى آخر فينشأ من مجموعهما المعني المقصود: نحو: الفصول أربعة: أطيبها الربيع البارد الحارّ، أي: المعتدل في درجة حرارته وبرودته، ولا يجوز البارد والحارّ؛ لأن المعنى المراد – وهو: الاعتدال – لا يؤخذ لا من اشتراك الاثنين في تأديته، وانضمام كل منهما إلى الآخر: فكلاهما جزء يتمم نظيره، ويلازمه في تكوين المعنى الكامل المقصود منهما معا…» (عباس حسن، النحو الوافي، 4 ج.، القاهرة، دار المعارف، ط. 14، 2007، ج. 3، ص. 481-482.)
وهذا الاستثناء لا يجري على عبارة “إله الكتاب المقدس الرهيب والفتان” الذي يتحدث عنه كيركجارد. وما كتبه الفيلسوف الدنمركي متاح للجميع. ويمكن الرجوع أيضا إلى كتابات رودولف أوتو وكارل يونغ وبول تيليش…وغيرهم من المؤلفين، القدماء والمحدثين، للوقوف على “ازدواجية” الإله الكتابي…فقد كان على السيد محجوب أن يتثبَّت، ولسنا على كل حال ممن يكتب “المداوات” بالتاء المبسوطة (الإنسان الرومنطيقي، الترجمة العربية، ص. 446.)…
أ. بالنسبة إلى الفعلcommunier :
« Communier, verbe, Emploi intrans. Être en union spirituelle ou affective avec d’autres personnes, partager une condition, un sentiment …P. anal. Être en union avec le monde…»
(بوابة المركز الوطني للموارد النصية والمعجميةCNRTL ، فرنسا – المعجم)
ب. بالنسبة إلى الفعلcommuniquer :
« Communiquer, verbe…Emploi intrans. Être ou entrer en relation plus ou moins directe avec quelqu’un… ».
(بوابة المركز الوطني للموارد النصية والمعجميةCNRTL ، فرنسا)
ومن هذه البيانات المعجمية يتبين أن الترجمة المناسبة لكلمةcommunion هي “التوافق” أو “الاتحاد” وليس “التواصل”. لكن، ليس للمعزنطارية وازع…
ونلاحظ أن السيد محجوب يتوسل هنا أيضا بـ”حجة الانتشار”، وهي مغالطة كما سبق الذكر. فهل يتعلم الناس من العلماء أم يتعلم العلماء من الناس؟ وما هي يا ترى هذه “اللطائف التأويلية التي يلتقي فيها المتناهي واللامتناهي”؟ ما معنى “بالنظر إلى النفس الرومنطيقية”؟ ليت السيد محجوب شرح لنا هذه الأمور لنستفيد من علمه “اللدني”! فالظاهر أن الكندي والفارابي وابن سينا والرازي وابن رشد…كانوا على ضلال مبين حين استخدموا في تصانيفهم كلمة “لامتناه”! وبعد: هل لزم كل هذا اللف والدوران من أجل حجب معطى في غاية البساطة، وهي أن هناك كلمتين فرنسيين متضادتين معنى: هناك كلمة fini، وهناك كلمة infini؛ وهَبْ عملنا بفتوى السيد محجوب، وترجمناinfini بـ “متناه”، بماذا سنترجمfini إذا وردت مجاورة لـinfini في السطر نفسه؟ من المؤسف حقا أن ينزل النقاش إلى هذا الحضيض…
أولهما أنه أورد بعض معاني الفعل dénoncer في اللغة الفرنسية التي تفيد “الإدانة”، وهذا شيء لم ننكره على الإطلاق، بل إنما قلنا إن المعنى المقصود هو “الإلغاء” الذي تذكره طائفة من المعاجم الفرنسية، بينما يسكت عنه السيد محمد محجوب، وهذا ضرب من التدليس. أما أن من معاني الفعلdénoncer معنى “الإلغاء”، فهذا ما ورد في معجم مدرسي (ونأسف مرة أخرى على نزول النقاش إلى هذا الحضيض!):
« Dénoncer, v.tr, de dénoncer v.pr. 1. Annoncer la rupture de ; annuler ; Dénoncer un contrat… Dénonciation, n.f. 1. Annulation, rupture. La dénonciation d’un traité…»
وفي العمود المقابل (لأن المعجم مزدوج)، إزاء هذا التعريف، ورد ما يلي:
«ألغى…إلغاء…».
(Hana Kabbani et collab., Le Dictionnaire majeur des élèves : Francais-Francais-Arabe, Beyrouth-Liban, Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah, 3ème éd., 2013, p. 240.)
والمعنى نفسه نلفيه على موقع معجمRobert الإلكتروني:
https://dictionnaire.lerobert.com/definition/denoncer
إن دلالة الفعلdénoncer على “الإلغاء” واردة على الخصوص في حقلي القانون والدبلوماسية، لكن عددا من المؤلفين، مثل غوسدورف، يتعدون به إلى حقول الأدب والفكر وغيرهما. وهذا توسع لغوي معروف. ألم نتحدث نحن عن “الكورونا” الثقافية، مع علمنا المسبق بأن “كورونا” فيروس؟
وثانيهما يستفاد من قوله: «لو سلمنا بما قال واعتبرنا الترجمة الأصح هي الإلغاء: فكيف تلغي الأنا الرومنطيقي صفاتُه وتجعله في الوقت نفسه جليّا؟».
والحال أنه كان على السيد محجوب أن يوجه سؤاله إلى غوسدورف نفسه (تغمده القدير برحمته). فمن الغريب حقا أن يصدر هذا الكلام عمن يفترض أنه قرأ الكتاب. إن المؤلف يقارن بين “الأنا الأمبريقي” (الأنواري) الذي يساوي “مجموع صفاته”، كما يقول، وبين “الأنا الرومنطيقي” الذي لا يمكن أن يرد إلى “مجموع صفاته”، لأنه بالتعريف “هاوية سحيقة” لا تردمها لغة. فالصفات لا تقول حقيقة الأنا، وكلما سعت في تجليتها خانته، فتكون النتيجة “إلغاء” أو “طمسا”… لا تجلية أو كشفا. وهذه هي الفقرة التي ورد فيها حديث “الإلغاء” (الذي توهم المترجم أنه “إدانة”):
« Cantonné dans le fini, le moi empirique du XVIIIe siècle, sujet sans substrat, peut être identifié à la somme de ses attributs. Le moi romantique n’est pas annoncé, mais dénoncé, par des attributs qui le trahissent, sous prétexte de le manifester, et la multiplication même des attributs évoque la fuite en avant d’un mouvement centrifuge et non pas centripète… » (G. Gusdorf, op. cit., p. 71.)
ولو أن السيد محجوب عاد إلى الفقرة التي سبقت هاته، لوجد غوسدورف يقارب بين “اللاهوت السالب” (الأبوفاتي) وبين “الأنثروبولوجيا السالبة” (الرومنطيقية). فلنقرأ ما يقول مستحضرا أوغسطين:
«Créé à l’image de Dieu, l’homme, dans sa vocation à l’infini, se dérobe à l’analyse linguistique… Augustin disait fortement que quand je parle de Dieu, ce n’est pas de Dieu que je parle. De même, plus je parle de moi-même, et moins j’en parle, car le discours humain, loin d’évoquer ou d’invoquer la réalité, lui tourne le dos… » (Ibid. p. 70-71.)
أولهما زعمه أن المترجم إنما «اختار “نقل” اللفظة الفرنسية بلفظة مجازية»! والحال أن الخطأ لا يكمن في ترجمةtransporter بـ”استعار”، بل في جعل “علوم الاقتصاد الحيواني والنباتي” في عداد “العلوم الفيزيائية” التي تستعار أو تنقل منها العبارات، وهذا تحريف للمعنى، ذلك لأن المؤلف يتحدث عن نقل الألفاظ من حقل العلوم الفيزيائية إلى حقل علوم الحيوان والنبات، أي أن هذه الأخيرة منقول إليها لا منقول عنها! والعلة في هذه الترجمة كما يظهر تكمن في أن المترجم لم يستوعب معنى الفعل المتعديtransporter dans ، وجعله عديلا للفعل اللازم transporter، فكان ما كان مما لست أحجبه…
وثانيهما زعمه أن ترجمة كلمة économie بـ”الاقتصاد”، بدلا من “التنظيم”، ممكنة في السياق الذي وردت فيه! وسنده في ذلك الحديث الفرويدي الشهير عن “المنظور الاقتصادي” ökonomischen gesichtspunkt ، إلى جانب المنظورين “الموضعي” و”الدينامي”، أي المنظور الذي يروم وصف السيرورات النفسية من زاوية “مبدأ اللذة” وتصاريفه المختلفة. والحال أن لكلمةéconomie عدة معان، منها المعنى الوارد في التحليل النفسي الفرويدي، وهو أقرب إلى “الاقتصاد” في الاستعمال اللغوي العام، لكن من معانيه أيضا: “التنظيم” أو “النظام” أو “النسق”…إلخ، وهو المعنى المراد من عبارةsciences de l’économie animale et végétale ، وهو المذكور في معجم العلامة ليتري، مشفوعا بشواهد (لم ننقلها)، كما يأتي:
« Economie…Ensemble des parties qui constituent l’homme ou les animaux ; l’ensemble des lois qui régissent l’organisation des animaux et des végétaux… »
ويمكن مراجعة المادة برمتها عن طريق الرابط الآتي:
https://www.littre.org/definition/%C3%A9conomie
ولذلك، لا معنى لترجمة العبارة الفرنسية بـ«علوم الاقتصاد الحيواني أو النباتي»، لأن المراد العلوم التي تدرس قوانين الكائنات الحية بوصفها “تنظيمات” أو “نظما” أو “أنساقا”…إلخ.
أولهما حديث غوسدورف عن تأثر الرومنطيقيين بعقيدة “تناسخ الأرواح”، وهو هذا:
« Le thème de la migration des âmes est familier aux romantiques ; après la mort, les âmes, libérées de leur prison de chair, vagabonderont à travers les espaces cosmiques, jusqu’au moment où il leur sera donné de se réincarner dans un être nouveau, au sein duquel elles prolongeront leur destinée mystérieuse. » (G. Gusdorf, op. cit., p. 80-81.)
وثانيهما مقطع قصيدة Cadaver لفكتور هيغو، وهو هذا كما نقله غوسدورف:
« La chair se dit : — Je vais être terre et germer,
Et fleurir comme sève, comme fleur, aimer !
Je vais me rajeunir dans la jeunesse énorme
Du buisson, de l’eau vive, et du chêne et de l’orme,
Et me répandre aux lacs, aux flots, aux monts, aux prés,
Aux rochers, aux splendeurs des grands couchants pourprés,
Aux murmures profonds de la vie inconnue !
Je vais être oiseau, vent, cri des eaux, bruit des deux,
Et palpitant du tout prodigieux ! (…)
Tous ces atomes las dont l’homme était le maître
Sont joyeux d’être mis en liberté dans l’être,
De vivre et de rentrer au gouffre qui leur plaît… »
(G. Gusdorf, op. cit., p. 187.)
ولا يخفى ما في هذه القصيدة، وقصائد أخرى من ديوانContemplations ، ولا سيما قصيدةCe que dit la bouche d’ombre، من إيمان بعقيدة “تناسخ الأرواح”. وكان يجب أن تؤخذ هذه الأمور بعين الاعتبار من قبل المترجم ومراجعه. إن ما تعنيه كلمةchair هو “البدن” أو “الجسد”…إلخ، بعيدا عن المعاني التي سيحملها أياها هوسرل وميرلو-بوتي، وغيرهما، في وقت لاحق…
إذا كان ينبغي لنا أن نراعي الاستعمال، فليكن الاستعمال “العالم” لا استعمال الشارع. والاستعمال “العالم” إنما كرس كلمة “عِرْفان” (وليس عَرفان) بمعناها الخاص (“الغنوصي”gnostique ) الذي نلفيه في الكتابات الصوفية، مثلا، لا بمعناها العام الذي يرادف المعرفة…
والحال أن الأمر يتعلق بنوع أدبي يطلق عليها في النقد الفرنسي أكثر من اسم: “رواية التكوين” roman de formation، “رواية التعليم” roman d’apprentissage، “رواية التربية” roman d‘éducation، علاوة على “رواية المسارة” أو “الرواية المسارية” roman initiatique. والأسماء الثلاثة الأولى أكثر وفاء للمقابل الألماني Bildungsroman. وما دام المؤلف اختار الاسم الرابع، أي roman initiatique، لزم منطقيا، ومن باب الأمانة العلمية كذلك، أن تكون الترجمة “رواية مسارية” أو “رواية مسارة”، وهي تؤدي المعنى نفسه، ذلك لأن “المسارة” تنطوي على تعلم وتكوين وتربية وتلقين…إلخ. وأما ترجمة عبد الهادي عباس لكتاب إلياد المذكور، فهي إنما تؤيد ما قلنا لا ما افتراه السيد محجوب (هل قرأ الكتاب؟). فكلمةinitiation يقابلها عبد الهادي عباس بـ”مسارة”، ولم ترد كلمة “تلقين” مقابلا لها إلا في مواضع قليلة جدا، وبسائق من إكراهات “تركيبية” على ما يبدو. ويمكن الرجوع إلى الكتاب للتأكد مما نقول، ولا سيما الفصل الثاني عشر من الجزء الأول منه الذي أفرده المؤلف لـ”أسرار إيلوزيس”، حيث يستعمل كلمة “مسارة” بكثرة، وهو هذا:
(ميرسيا إلياد، تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، 3. ج.، ترجمة عبد الهادي عباس، دار دمشق، ط. 1، 1986-87، ج. 1، 359-372.)
« Assez étrangement, Foucault ne prend quasiment jamais la peine de donner de l’a priori historique une élaboration théorique véritable… »
(Béatrice Han, L’ontologie manquée de Michel Foucault: entre l’historique et le transcendantal, Grenoble, Millon, 1998, p. 66.)
,
هل من الجائز أن نترجم عبارة l’a priori historique بـعبارة “الماقبل التاريخي” التي يعلم الجميع أنها تقابلle préhistorique ؟ للعقلاء أن يحكموا بأنفسهم…
ومثل هذا الرد يسمى عند أهل التحقيق بمغالطة “التوسل بالاستهزاء” Appel au ridicule، وبصرف النظر عن عبارات التهكم والشجب المجانية التي يحفل بها هذا الكلام، وغيره مما ورد في رد السيد محجوب، نقول: إن الخطأ يظل خطأ ولو وقع مرة واحدة، ودور الناقد التنبيه عليه، وبذلك جرى العمل في الأرضين التي تحترم جماجم البشر، ذلك لأن لا شيء يضمن أن يقوم طالب عربي بالاستشهاد بهذه الفقرة بالذات التي ورد فيها الخطأ. فعلى من سيقع اللوم يا ترى؟! أما حرص السيد محجوب، في هذا المقام، على التمييز بين “الغائية” finalité و”علم الغايات”téléologie ، فهو من جنس الحق الذي يراد به الباطل، ذلك لأن الكلمات التي تنتهي باللاحقة logie (المشتقة من لوغوس λόγος الإغريقية) لا تستعمل دائما بمعنى علم كذا أو كذا، بل تستعمل أيضا للإشارة إلى موضوع ذلك العلم مجازا، وفي هذا الاستعمال توسع لا ينبغي لمترجم أن يجهله، فلا تجوز ترجمة عنوان كتاب ماركس Die deutsche Ideologie، مثلا، بـ”علم الأفكار الألماني”، وحين نقول “إيديولوجيا”، فغالبا بمعنى “الأفكار” (الإيديولوجية) لا بمعنى “علم الأفكار”. وقس على ذلك كلمةtéléologie التي يراد بها أحيانا كثيرة “الغائية” لا “علم الغايات”؛ وهذا ما يقوله المعجم (انظر: c):
« Téléologie, subst. fém. Philosophie. A. − Étude des fins, de la finalité; en partic., étude, science des fins humaines (bonheur, justice)…B. −…Doctrine qui considère que dans le monde tout être a une fin, qui conçoit le monde comme un système de relations, de rapports entre des moyens et des fins…C. − Finalité. [Il y a] trois grands groupes de fait: l’objet du discours et le locuteur, le but du discours et l’auditeur, les circonstances externes. Mais les circonstances externes (temps, lieu, mode de transmission et de diffusion, etc.) sont étroitement liées à l’objet et ce sont deux grands types de causalité qui s’opposent: l’objet et le but du discours. Il y a une étiologie et une téléologie du style (Guiraud ds Langage, 1968, p. 449)… »
(بوابة المركز الوطني للموارد النصية والمعجميةCNRTL ، فرنسا – المعجم)
أما أن المؤلف أراد بكلمةtéléologie معنى “الغائية” لا “علم الغايات”، فذلك بَيِّن من السياق الذي وردت الكلمة (بوصفها علاقة)، مجاورة لكلمة سببية (بوصفها علاقة)؛ ينقل غوسدورف عن ماكس شيلر قوله الآتي:
« Lorsque cette condition se trouve réalisée, elle implique la reconnaissance qu’il existe, à côté des rapports réels et idéaux (causalité, téléologie, etc.) qui rattachent les unes aux autres les parties de l’univers et qui sont étudiés par la philosophie et par la science, une autre relation tout à fait sui generis, qui s’étend aussi loin que la vie elle-même, dans ce qu’elle a de réel et d’essentiel… » (G. Gusdorf, op. cit., p. 121.)
فليتدبره النبهاء ليحكموا بأنفسهم!
وهذا الكلام لا يعدو أن يكون هروبا إلى الأمام، ذلك لأن الفعل المتعدي identifier avec qqc/qqc لا يعني “التعريف…رفقة”، بل يعني “المماثلة”. كما أن كلمة foyer تعني، بموجب السياق الذي وردت فيه، “البؤرة” وليس “المسكن”. وهذا ما تؤيده قرينة ورود كلمة “مركز” قبلها بقليل. فلم العناد يا ترى؟!
« Emportée par les mouvements de l’Etre, la conscience se découvre englobée et englobante, centrale et périphérique, maîtresse du sens et néanmoins aliénée, parce qu’elle ne peut atteindre le Centre des centres, où se prononce la présence divine… » (G. Gusdorf, op. cit., p. 126.)
« Démultiplier, verbe trans. Mécan. Augmenter la force d’un système de transmission mécanique en réduisant la vitesse des organes auxquels cette force est transmise. Relier la boîte de vitesses à la transmission en démultipliant le rapport des vitesses (Chapelain, Techn. automob.,1956, p. 95). »
(بوابة المركز الوطني للموارد النصية والمعجميةCNRTL ، فرنسا – المعجم)
ويمضي السيد محجوب باسطا نظرية “التخفيف”، قائلا: «نحن هنا أمام قراءة لا يستقيم المعنى بدونها [كذا]، إذا ماذا يعني أن صورة العالم مثقلة بالطفيليات إن لم يكن فعل démultiplier يعني، من جهة نتيجته، التخفيف؟ فقصد غوسدورف هو أن تكثر الرؤى (تضاعفها) هو الذي يخفف من ثقل العالم بإقلاق رقاباته، وبإدانة قوالبه الجاهزة. لذلك فإن اختيار التخفيف هنا تحديدا اختيار تأويلي له مبرراته. وإن الحكم الحقيقي على الترجمة هو ما ستلقاه من القراءات والاستعمالات».
والحال أن هذه الشقشقة كلها لا تعني سوى شيء واحد، وهو أن السيد محجوب لم يستوعب معاني ما قرأ وراجع! لنعد إلى المقطع الذي وردت فيه العبارة محل النزاع (أو العناد)، وبعدها نتحدث، وهو هذا:
الأصل الفرنسي:
« Le fantastique est un réaménagement de la présence au monde ; la circulation du sens se fait de la conscience à la réalité, la pluralité des dimensions de la conscience évoque et invoque une démultiplication de l’image du monde, dont le sens apparent et littéral se surcharge de leçons parasites ; derrière l’image une autre image ; chaque objet est gros d’une animation insolite. La double ou triple vue bouscule les censures, dénonce les garde-fous imposés par le bon usage et la tradition. Tout se passe comme si nous étions les victimes de disciplines répressives imposées dès l’enfance, refoulant la tentation des enchantements au profit d’un positivisme utilitaire qui détruit en nous, avec les puissances imaginatives, le principe même de la poésie… » (G. Gusdorf, op. cit., p. 142-143.)
الترجمة العربية:
«إن الفانتاستيك هو إعادة تهيئة للحضور إلى العالم. فحركة انتقال المعنى تتم من الوعي إلى الواقع، ومن شأن تعدد أبعاد الوعي أن يستحضر ويلتمس تخفيفا لصورة العالم المثقل معناها الظاهري والحرفي بالدروس الطفيلية. وبذلك تكمن خلف كل صورة في الفانتاستيك صورة أخرى، وكل شيء يغدو ضخما بفعل حيوية غير مألوفة. إن الرؤية المضاعفة أو الثلاثية الأبعاد تدفع الرقابة بقوة، وتدين الحواجز المفروضة من العرف والتقاليد. ويجري كل شيء وكأننا كنا ضحايا قواعد سلوك زجرية تفرض علينا منذ الطفولة، وتكبت فينا غواية السحر لفائدة نزعة وضعانية منفعية تهدم فينا مبدأ الشعر نفسه إلى جانب ملكات الخيال…» (جورج غوسدورف، الإنسان الرومنطيقي، تونس، معهد تونس للترجمة، ترجمة محمد آيت ميهوب ومراجعة محمد محجوب، 2018، ص. 208.)
إن “الاختيار التأويلي” الذي يتنطع به السيد محجوب مصدره ترجمة عبارةleçons parasites ، الواردة في الأصل الفرنسي، بـ”الدروس الطفيلية”، وهي ترجمة في غاية الابتذال، أولا: لأن كلمةleçon لا تعني دائما “الدرس”، بل قد تعني كذلك “القراءة”lecture (ما يوافق معناها الاشتقاقي في اللاتينية)، أو “التلاوة”récitation …إلخ (انظر معجم ليتري). وثانيا: لأن المؤلف استعمل كلمةparasites بوصفها نعتا لا مصدرا، ومجازا لا حقيقة، وأراد بها “الدخيلة” أو “المشوشة”، أو “المربكة”…إلخ، وهذا ما يقوله معجمCNRTL :
« Parasite, n.m…Adjt. Qui vient s’ajouter à quelque chose, qui s’y développe en nuisant à la cohérence du tout, à l’équilibre de l’ensemble. Mots, expressions parasites. Des constructions parasites défigurent le site. »
(بوابة المركز الوطني للموارد النصية والمعجميةCNRTL ، فرنسا – المعجم)
فلو أنleçons parasites ترجمت بعبارة أخرى، غير “الدروس الطفيلية”، من قبيل “قراءات مزعجة” مثلا (اقتراح قابل للنقاش طبعا)، لما دعت الحاجة إلى نظرية “التخفيف” أو “الاختيار تأويلي”…إلخ. لقد وقع السيد محجوب في الشرك الذي نصبه بنفسه. إن ابتذال الترجمة هو الذي دفعه – في الظاهر على الأقل – إلى التساؤل قائلا: «ماذا يعني أن صورة العالم مثقلة بالطفيليات إن لم يكن فعل démultiplier يعني، من جهة نتيجته، التخفيف؟». إذ يظهر أن كلمة “طفيلي” التي “اختارها تأويليا” ملأت مخيلته بأقبح الخلائق، فلزمه أن يبرئ ذمة الوعي منها! والحال أن ما سماه المؤلف بـleçons parasites هو من عمل الوعي نفسه، ويروم به هذا الأخير مضاعفة صورة العالم “الظاهرة والحرفية” بصوره هو: “الدخيلة” أو “المزعجة” أو “المشوشة”…إلخ (وهذه ليست أوصافا قدحية). ولو أن السيد محجوب تمعن قليلا في القرائن المجاورة للعبارة لأدرك أنها تشير، كما قلنا، إلى عمل ينجزه الوعي، ولا يمكن أن ننسبه إلى العالم الخارجي. يقول غورسدوف:
« derrière l’image une autre image ; chaque objet est gros d’une animation insolite. »
فليتدبر من يهمه الأمر…
والأدهى من ذلك زعم السيد محجوب أن “أغنية” كولريدج «تتكون من ثلاث قصائد فعلا، لكنها طبعت دائما مجتمعة في سفر واحد»! والحال أن كلمةRime (وبالفرنسيةBallade وComplainte) التي ترجمت بـ”أغنية” هي أول كلمة في عنوان القصيدة الإنجليزي، وهوThe Rime of the Ancient Mariner، ولا تتعداه نعتا للقصيدتين الأخريين لأنهما مستقلتان بعنوانيهما، كما أن القصائد الثلاث لم تطبع “دائما مجتمعة في سفر واحد”، كما توهم السيد محجوب، لا في اللغة الإنجليزية ولا في غيرها. ولست أدري من أين جلب هذه المعلومات!
ويمضي السيد محجوب في بسط علمه “اللدني”، قائلا: «أما تصويب الناقد ترجمة “البحار الشيخ” بـ”البحار العجوز”، فهذا عين الجهل بالعربية [كذا] حقا إذ فات ناقدنا أن العجوز – في الأصل – صفة للمرأة لا الرجل!!».
والحال أن مثل هذا الكلام هو “عين الجهل بالعربية”، بل أنفه وأذناه وثغره وقفاه، ذلك لأن كلمة “عجوز” في اللغة العربية صفة للمرأة والرجل معا؛ قال ابن منظور: «ويقال للرجل عجوز وللمرأة عجوز» (لسان العرب، مرجع سابق، ج. 5، ص. 372.). وجاء في المعجم الوسيط: «(العجوز): الهرم [للمذكر والمؤنث]» (المعجم الوسيط، مرجع سابق، ص. 585.). وفي كتاب «وحي القلم» لمصطفى صادق الرافعي مقال مسلسل من أربعة أجزاء يحمل عنوان «العجوزان»، وفيه يتحدث الأديب العربي الكبير عن رجلين لا عن امرأتين. (مصطفى صادق الرافعي، من وحي القلم، 3 ج.، بيروت-لبنان، المكتبة العصرية، 2002، ج. 3، ص. 54-77.). ولا حول ولا قوة إلا بالله…
« En Angleterre, les esquisses d’une Naturphilosophie que l’on peut relever chez Coleridge ne semblent pas avoir eu de postérité ; le génie de la race est peu enclin à la spéculation métaphysique… » (G. Gusdorf, op. cit., p. 367.)
والذي ترجم هكذا:
«أما في إنغلترا، فإن المخططات التحضيرية لتأسيس فلسفة للطبيعة تلك التي نلحظها عند كولريدج، فلا يبدو أنها قد أنجبت خلفا يتابعها، إذ مال مفهوم عبقرية العنصر شيئا ما إلى التأمل الميتافيزيقي…»
لاحظنا في مقالنا السابق أن الترجمة تتضمن أخطاء، واقترحنا أن تترجم على النحو الآتي:
«أما في إنجلترا، فإن تباشير فلسفة الطبيعة، التي يمكن أن نلحظها عند كولريدج، لا يبدو أنها استؤنفت بعد رحيله؛ ذلك لأن جنس الإنجليز بطبعه قليل الميل إلى النظر الميتافيزيقي…».
وعللنا ذلك بأن عبارة génie de la race تعني الطبع القومي أو العرقي، ولا يمكن ترجمتها بـ”مفهوم عبقرية العنصر”، وبأن المؤلف يقول إن جنس الإنجليز بطبعه قليل الميل peu enclin إلى النظر الميتافيزيقي، بينما يقوِّله المترجم عكس ذلك. فماذا كان رد السيد محجوب؟ قال إن الخطأ الوحيد في ترجمته هو “إضافة كلمة مفهوم”! وأن الترجمة التي اقترحها الناقد “مشوهة”! (ومن يستطيع أن يزيلها من لسانه؟) حسنا، لنحذف كلمة “مفهوم”. ماذا سيبقى؟ “عبقرية العنصر”؟ وهلgénie de la race هي “عبقرية العنصر”؟ لقد تطورت استعمالات كلمةgénie عبر العصور، كما تبين ذلك المعاجم والمراجع، وما عادت اليوم تحتمل معنى “العبقرية” إلا بالنسبة إلى الأفراد (علماء، فنانين…إلخ)؛ أما إذا استعملت كلمةgénie اليوم بالنسبة إلى الجماعة (قومية، عرق، جنس…إلخ)، فللدلالة على الطبع القومي أو العرقي دلالة وصفية لا معيارية. ولذلك لا يمكن ترجمة عبارة غوسدورف بـ”عبقرية العنصر”.
أما زعم السيد محجوب أن الترجمة التي اقترحناها تنطوي على “عنصرية” تجاه الإنجليز، فلعله ناتج عن سوء فهمه لعبارة “جنس الإنجليز بطبعه قليل الميل إلى النظر الميتافيزيقي”. والحال أنه كلام المؤلف نفسه، لا كلامنا نحن، ولا يعني به قائله أن الإنجليز أمة أقل ألمعية من غيرها من الأمم. فالانجليز بطبعهم ميالون إلى العلم التجريبي والفنون التطبيقية وكل ما تحته “طائل” (مع أن فيهم ميتافيزيقيين ومتصوفة وشعراء…إلخ). ومن لديه أدنى معرفة بتاريخ الإنجليز وثقافتهم لا يساوره الشك في هذا الأمر. لكن المعزنطارية صعبة المراس…
ثم إذا كان الخطأ الوحيد هو “إضافة كلمة مفهوم”، كما أوهم السيد محجوب، فهل ترجمة عبارةpeu enclin à بـ”مال شيئا ما إلى” صحيحة؟ هلpeu enclin تعني “مال شيئا ما إلى” أم “قليل الميل”؟ ليتدبر النبهاء ليحكموا بأنفسهم…
فهل التنبيه على الأخطاء والمعلومات المضللة مماحكة؟ أما العبارة الفرنسية التي أوردها (متجاهلا ما جاء بعدها في معجم CNRTL، ولهذا التصرف اسم!)، فهي إنما تؤيد ترجمة “التعويض” لا “التعديل”، ذلك لأن كلمةéquilibre وردت في سياق شرح كلمةcompensation لا بوصفها مرادفا لها. ولنحتكم إلى الحس السليم: هل نقول “تعديل النواقص” أم “تعويض النقائص”؟ ثم إن “التعديل” في اللغة العربية معناه كذلك “التقويم” (لسان العرب، مرجع سابق، ج. 11، ص. 432)، ويقال أيضا “تعديل الشهود” بمعنى الحكم بأنهم “عُدول” (نفسه، ص. 431)، وحتى لا يذهب الظن إلى هذه المعاني، لزم اعتماد أوضح ترجمة، وهي “التعويض”؛ فلم العناد وإساءة الأدب؟
أما صفة “المحامي” التي أعطاها جاك بوفريس للايبنتس، فهي غير صحيحة بإجماع الفرق، ولعلها ناتجة عن السهو، وهذا أمر طبيعي يحصل للجميع، هل بوفريس ملاك؟ اللهم إلا إذا كان قد استعمل الكلمة في غير ما وضعت له، كأن يريد بها “المحاماة” عن آراء معينة في اللاهوت والأخلاق والسياسة. أما الوظائف التي تقلدها الفيلسوف الألماني، فهي معروفة عند جميع من كتب عن سيرته: مستشار قانوني للبارون فون بوينبورغ، ولكل من الأمير فون شونبورن ودوق برانشفايغ وبيت هانوفر، وأمين سر جمعية “روزنكرويتسر” الباطنية، وقاض مستشار بمحكمة الاستئناف، ومحافظ لمكتبات بيت برانشفايغ ومؤرخ له…إلخ. وكلها تؤكد صفة “الفقيه القانوني”Juriste ، لا صفة “المحامي”Avocat . أما حديث لايبنتس “المحامي“، فلا نجده إلا في بعض المجلات الشعبية أو بعض المواقع الإلكترونية العربية التي لا تميز بين الغث والسمين، أو لدى صغار “المؤلفين” التي لا تهمهم سوى دنانير الناشر. ولا نجد ذلك بالتأكيد في المراجع العربية المحترمة مثل “موسوعة” عبد الرحمن بدوي، أو “معجم” جورج طرابيشي، أو “تاريخ” يوسف كرم…إلخ. ولا نجده طبعا في “تاريخ الفلسفة” لإميل برييه وأمثاله من المراجع الغربية. وأكثر من ذلك: هناك رسالة ألفها أحد تلامذة لايبنتس المقربين، وهو كرستيان فولف Christian Wolff ، عن سيرة لايبنتس، ولا أثر فيها لحديث “المحاماة” الذي افتراه السيد محجوب؛ ويمكن الاطلاع على ترجمتها الفرنسية عن طريق الرابط الآتي:
https://journals.openedition.org/philosophique/190#tocto1n53
وعلاوة على ذلك كله، كان لايبنتس يبغض مهنة “المحاماة”! وهذا ما يقول وينقل عنه أحد كبار المتخصصين فيه:
« Il aime le métier de juge, mais méprise les arguties de l’avocat : ‘aussi n’ai-je jamais voulu plaider bien que, de l’avis général, j’écrivisse très suffisamment et harmonieusement aussi en allemand’ (KI, XXXVII)… »
Yvon Belaval, Leibniz: initiation à sa philosophie, Paris, Vrin, 2005, p. 48.
فليتدبر من يهمه الأمر…
وبعد…
هذه ردودنا على مقال السيد محجوب، فليتدبرها من يهمه الأمر. وليعلم الأستاذ المحترم أن الترجمة ليست ملك يمين أحد، وأن المتحامل الحقيقي عليها هو من يسوؤه أن ينبه النقاد على أخطائه. لكننا نتفهم الدوافع! ولكم عجبنا من وقاحة بعض صغار المتفلسفة من خُلاَّن السيد محجوب، وتطاولهم علينا بالسب والشتم على مواقع التواصل الاجتماعي ظلما وعدوانا. ألا إن الحكمة منهم براء! ومن هذا المنبر، نناشد كل الضمائر الحية، في أرجاء الوطن العربي كافة، من المحيط إلى الخليج، ألا يتوانوا طرفة عين عن فضح “الأيادي القذرة” التي باتت دسائسها تطول كل محفل، في غفلة من الزمان، مسلحة بما سماه الكاتب التونسي الألمعي، الأستاذ رؤوف صديق، بـ”أبشع أنواع السحر الأسود”… فطُوبَى لهذا الفاضل الجميل، وطوبى لمواطنه الكريم المناضل الأستاذ حبيب الملاخ من أجل ما أبداه من مواقف مشرفة. وإن عادت المعزنطارية عدنا…
