مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليلة القدر، تلك الليلة التي يتطلع كل مسلم لمعرفتها و التخشع بها، و تسمية ليلة القدر بها جزئين : الأول هو كلمة ليلة و المقصود بها تحديد الزمن، و متعارف عليه أنه الوقت الذي يمتدّ من بداية غروب الشمس إلى غاية طلوع الفجر، و الجزء الثاني من التسمية : القَدر، و اختلفت آراء و أقوال الفقهاء في تحديد المعنى المقصود من القَدر، مستندين في ذلك إلى ما يلي :
قول الحق سبحانه و تعالى (وَما قَدَرُوا اللَّـهَ حَقَّ قَدرِهِ)، و المراد بالقدر في هذه الآية هو التشريف والتعظيم، و قَدْر هذه الليلة يتأتى بتنزُّل القرآن والملائكة فيها، كما نزلت بها رحمات الله وبركاته، و للقدر معنى آخر هو التضييق؛ مثل ما جاء في قول الله تعالى-: (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ)، و المعنى هنا أنَّ إخفاء هذه الليلة هو الذي ألحق بها صفة التضييق، دون تعيين زمن معين لها، و كذلك لأن الملائكة تتنزل بها فتزدحم الأرض بهم و تضيق، ومن المرادفات للمعنى أنّ القدَرَ بفتح الدال لصيق بالقضاء؛ المقصود هنا الفصل والحُكم، و أوردت زمرة من العلماء عن معنى القدْر و تسمية الليلة بهذا الإسم، أن بهذه الليلة تكتب الملائكة ما قُدِّرَ من الرزق والآجال مصداقا لقوله سبحانه و تعالى : (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ*أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) و المقصود بهذه الليلة المباركة في هذه الآية الكريمة هي ليلة القدر.
و خص الحق سبحانه و تعالى ليلة القدر بفضائل عظيمة، والتي اخترنا منها الآتي :
في ليلة القدر تنزّلَ أعظم الكُتب السماوية و أطهرها، إنه كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم، القرآن الكريم ، و الآية التالية دليل على ما اختص الله به هذه الليلة المباركة من فضل نزول كتابه المطهر، حيث قال عز وجل (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ). و وصف الله تعالى هذه الليلة بالمباركة مصداقا لقوله سبحانه (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ).
و اختص الله المسلم الذي يقوم هذه الليلة تقربا و تعبدا إلى الله تعالى بالكثير من الأجر و الثواب، و في هذه الليلة تُقدَّر الآجال و الأرزاق ، كما تكتب فيها ملائكة الرحمن الأعمال و الحوادث، وكلّ ما سيكون تلك السنة التي منها ليلة القدر إلى غاية السنة التي تتبعها، فيفصل فيها كلّ الأمور المُحكَمة بعِلم الله و قدرته ومشيئته المكتوبة باللوح المحفوظ، فتسجله الملائكة في صُحفها بمشيئة الله و أمره و إرادته سبحانه و تعالى، مصداقا لقوله سبحانه (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ).
العمل الصالح ليلة القدر لايؤجر عليه المسلم أجرا عاديا، بل هو يعادل عمل ألف شهر، فمن تعبد ليلة القدر فكأنما تعبد ثمانين عاما، و عن ذلك قال الله تعالى في قرآنه الحكيم : (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ).
و تعم السكينة و الأمن و الأمان و السلام ليلة القدر، و ينزل الله فيها ملائكته بالرحمة و الخير للمؤمنين و الطائعين، مصداقا لقوله تعالى : (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ*سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ). هذه الليلة المباركة يكثر فيها العفو و المغفرة و التقرب إلى الله، و ييسر الله لمن قامها تحسبا لله، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ).
و بما أن ليلة القدر مختلفة عن باقي ليالي السنة، فقد خصها الله بعلامات مميزة، حتى نميزها و نعرفها ، و نذكر من هذه العلامات، ظهور الشمس في صباحها ، شبيهة بالقمر حين تمامه و يكون بدرا، و تكون الشمس بدون أشعة ظاهرة، بل تصبح ،مُستوية، و عن هذا روى أُبيّ بن كعب رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: (أنَّهَا تَطْلُعُ يَومَئذٍ، لا شُعَاعَ لَهَا)، ينشرح لها قلب المؤمن و يرتاح لها صدره أثناء هذه الليلة العظيمة، و تتوق نفسه للعبادة و الخشوع و التقرب إلى الله . و توصف ليلة القدر بالإعتدال، فقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم عنها فيما رواه جابر رضي الله عنه قال: (إني كنتُ أُرِيتُ ليلةَ القَدْرِ ، ثم نُسِّيتُها وهي في العَشْرِ الأَوَاخِرِ من ليلتِها ، وهي ليلةٌ طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ لا حارَّةٌ ولا باردةٌ). و معنى كلمة بلجة : هي الليلة المشرقة ، و التي لا حر فيها ولا برد،.
و ليلة القدر ثابتة ولن ترفع إلا بقيام الساعة فقد روت عائشة رضي اللن عنها عن النبي صلى الله عليه وسلّم-، قال: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ)، و وقت ليلة القدر اختلف فيه الفقهاء فمنهم من جعل لتحديده مسند و منها من لم يفعل، في حين أجمع جمهور العلماء على أن هذه الليلة تقع في ليالي رمضان، مستندين في ذلك إلى الآيتَين، في قوله سبحانه و تعالى-:(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، وقول الحق تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)، كما دل على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : (التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ). و حددها عليه الصلاة و السلام في العشر الأواخر و تكون وترا فقد قال نبي الرحمة عليه الصلاة و السلام (فَالْتَمِسُوهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن كُلِّ وِتْرٍ).
الكثيرون يتساءلون عن الحكمة من إخفاء الله تعالى موعد ليلة القدر عن عباده، مثلما كثير من الأمور تبقى من الغيبيات التي لا يعلم أمرها إلا الله سبحانه و تعالى ، الموت و قيام الساعة و ما يحدث في المستقبل إلى غير ذلك من الأشياء التي اختص عز و جل معرفتها به وحده سبحانه عما يصفون، فالحكمة من إخفاء ليلة القدر، هي لجعل المسلم يجتهد في تعبده و تقربه في كافة الليالي و ليس الإقتصار على هذه الليلة فقط، و يحرص على إلتماسها و إدراكها و يخاف فوات فرصة نيل أجرها و ثوابها.
