مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
تقرير وطني يكشف مفارقة المشهد السياسي المغربي: المغاربة يؤمنون بالديمقراطية لكنهم فقدوا الثقة في الفاعلين السياسيين والمؤسسات التمثيلية
كتبه : عبد الكامل بوكصة
قبل أشهر قليلة عن موعد الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، دق تقرير وطني جديد أصدرته جمعية “المواطنون” ناقوس الخطر بشأن مستقبل المشاركة السياسية بالمغرب، بعدما كشف عن اتساع الفجوة بين المواطنين والأحزاب السياسية، وارتفاع منسوب فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة، مقابل استمرار تشبث المغاربة بالديمقراطية باعتبارها خياراً مجتمعياً وآلية أساسية لتدبير الشأن العام.
الدراسة التي أنجزت في إطار بحث ميداني تشاركي شمل 2992 مواطنة ومواطناً موزعين على مختلف جهات المملكة الاثنتي عشرة، رسمت صورة دقيقة لمزاج انتخابي متردد ومشحون بالانتظارات، في وقت أصبحت فيه انتخابات 2026 محطة حاسمة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة السياسية.
الديمقراطية بخير.. لكن الوسيط السياسي في أزمة
المعطى الأكثر إثارة في التقرير يتمثل في المفارقة التي يعيشها المغرب اليوم؛ فبينما يعتبر 66,6 في المائة من المستجوبين أن التصويت واجب مدني مهم أو مهم جداً، لا تتجاوز نسبة الذين يثقون في مصداقية نتائج الانتخابات 13,6 في المائة فقط.
هذه المفارقة تعني أن الأزمة لا تضرب فكرة الديمقراطية في حد ذاتها، وإنما تستهدف الجهات المكلفة بتجسيدها على أرض الواقع، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية والمؤسسات التمثيلية.
ويؤكد التقرير أن المغاربة لا يعيشون حالة عزوف سلبي أو لامبالاة سياسية، بل يمارسون شكلاً من أشكال “الاحتجاج الصامت”، المبني على تقييم نقدي لتجاربهم السابقة مع الممارسة السياسية والانتخابية.
الأحزاب السياسية.. الغائب الأكبر عن الحياة اليومية للمغاربة
الأرقام الواردة في الدراسة تكشف حجم الهوة بين الأحزاب والمواطنين؛ إذ صرح حوالي 79,5 في المائة من المشاركين بأنهم لا تربطهم أي علاقة أو تواصل بالأحزاب السياسية.
ولم يعد المواطن يرى الحزب السياسي فاعلاً حاضراً داخل الأحياء والجامعات والفضاءات العمومية، بل أصبح حضوره مرتبطاً بالمواسم الانتخابية فقط.
كما اعتبر أكثر من 88 في المائة من المستجوبين أن الأحزاب لا تهتم فعلياً بقضايا المواطنين، بينما يرى 90,4 في المائة أن المنتخبين لا يلتزمون بالوعود التي يقدمونها أثناء الحملات الانتخابية.
هذه المؤشرات لا تعكس مجرد تراجع في شعبية الأحزاب، بل تنذر بأزمة تمثيلية حقيقية تهدد شرعية الوساطة السياسية برمتها.
شبكات التواصل الاجتماعي تسحب البساط من الفاعلين التقليديين
في مقابل تراجع الدور التأطيري للأحزاب، برزت مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها الفضاء الرئيسي للمعلومة السياسية.
وأفاد 74 في المائة من المشاركين بأنها المصدر الأول للأخبار السياسية، متقدمة بفارق شاسع عن الصحافة المكتوبة والإلكترونية، ثم التلفزيون والإذاعة.
غير أن التقرير يحذر من خطورة هذا التحول، لأن الفضاء الرقمي لا يستطيع، لوحده، بناء الثقة أو تعويض العمل الميداني، خاصة في ظل خضوعه لمنصات عالمية وآليات خوارزمية قد تؤثر في تشكيل الرأي العام.
الشباب.. أكثر نقداً للنظام السياسي وأكثر استعداداً للمشاركة
بعكس الصورة النمطية المتداولة حول عزوف الشباب عن السياسة، أظهرت الدراسة أن الفئة العمرية بين 18 و24 سنة هي الأكثر استعداداً للمشاركة في انتخابات 2026.
فما يقارب نصف الشباب المستجوبين عبروا عن نية إيجابية للتصويت، رغم أنهم الأكثر انتقاداً لمكانة الشباب داخل الحياة السياسية المغربية.
وتكشف هذه المعطيات أن الجيل الجديد لم يصل بعد إلى مرحلة القطيعة النهائية مع السياسة، بل ينتظر إشارات إصلاحية جدية من المؤسسات والأحزاب.
ويبدو أن الرهان الحقيقي للأشهر المقبلة سيكون هو القدرة على تحويل هذا الاستعداد إلى مشاركة فعلية داخل صناديق الاقتراع.
النساء أكثر استعداداً للتصويت.. لكن العوائق ما زالت قائمة
من النتائج اللافتة أيضاً أن النساء أبدين استعداداً أكبر للمشاركة مقارنة بالرجال، إذ بلغت نسبة النوايا الإيجابية للتصويت 49 في المائة مقابل 40,7 في المائة لدى الرجال.
غير أن هذه الرغبة تصطدم بعوائق إدارية واجتماعية وإجرائية تحد من المشاركة الفعلية، ما يفرض التفكير في حلول عملية من قبيل التبسيط الإداري وتسهيل الولوج إلى مكاتب التصويت.
دفتر تحملات جديد يفرضه المواطنون على الطبقة السياسية
بعيداً عن منطق الانتقاد المجرد، قدم المشاركون ما يشبه “دفتر تحملات ديمقراطياً” موجهاً إلى الأحزاب والمؤسسات.
وتصدرت قائمة المطالب:
• ضمان نزاهة العملية الانتخابية (47,5٪).
• تقديم برامج سياسية واضحة ومفهومة (42,9٪).
• فتح المجال أمام المرشحين الشباب (40,6٪).
• تعزيز شفافية تمويل الأحزاب السياسية (39,7٪).
• توفير معلومات دقيقة ومبسطة حول العملية الانتخابية (37,7٪).
لكن المؤشر الأكثر إثارة للقلق يتمثل في أن 24,1 في المائة من المستجوبين أكدوا أن أي إجراء أو إصلاح لن يكون كافياً لإقناعهم بالتصويت، وهي الفئة التي وصفها التقرير بـ”النواة الصلبة للعزوف الانتخابي”.
انتخابات 2026.. فرصة أخيرة أم بداية قطيعة جديدة؟
الرسالة التي يبعثها التقرير واضحة: المغرب لا يواجه أزمة مشاركة انتخابية فحسب، بل يعيش أزمة ثقة مركبة بين المواطن والوسيط السياسي.
وفي المقابل، ما تزال هناك نافذة زمنية تسمح بتدارك الوضع قبل حلول انتخابات 2026، شريطة الانتقال من منطق الحملات الظرفية إلى منطق الإصلاحات العميقة التي تعيد الاعتبار للنزاهة والشفافية وتجديد النخب السياسية.
فالمغاربة، كما يكشف التقرير، لم يغادروا فضاء الديمقراطية، لكنهم ينتظرون أسباباً مقنعة للعودة إلى صناديق الاقتراع.
ويبقى السؤال المطروح بإلحاح: هل ستلتقط الأحزاب السياسية هذه الرسائل قبل فوات الأوان، أم أن انتخابات 2026 ستكرس منسوب القطيعة بين المواطن والسياسة؟
