مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
متابعة: عبد الكامل بوكصة
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المغربية المرتقبة في شتنبر 2026، يعود ملف المشاركة السياسية لمغاربة العالم إلى واجهة النقاش العمومي والسياسي، باعتباره أحد الملفات التي ظلت عالقة لعقود بين النصوص الدستورية والتطلعات المشروعة لأكثر من ستة ملايين مغربي يقيمون خارج أرض الوطن.
وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحظى بها الجالية المغربية بالخارج في الرؤية الملكية، حيث ما فتئ جلالة الملك محمد السادس يؤكد في العديد من خطاباته السامية أن مغاربة العالم يشكلون جزءا لا يتجزأ من الأمة المغربية، وأنهم يتمتعون بكامل حقوق المواطنة، بما فيها الحقوق السياسية والمدنية.
ففي خطاب العرش لسنة 2005، دعا جلالة الملك إلى تمكين أفراد الجالية المغربية بالخارج من المشاركة الكاملة في المؤسسات الوطنية، مؤكدا ضرورة تعزيز ارتباطهم بوطنهم الأم وإشراكهم في مختلف أوراش التنمية والبناء الديمقراطي. كما عاد جلالته في مناسبات عديدة ليشدد على ضرورة صيانة حقوقهم ومواكبة انتظاراتهم وتطلعاتهم المتزايدة.
ولعل خير دليل على العناية الملكية الخاصة بمغاربة العالم تخصيص المملكة المغربية لليوم الوطني للمهاجر، الذي يخلد في العاشر من غشت من كل سنة منذ سنة 2003، كمحطة وطنية للإنصات إلى قضايا الجالية ومناقشة انشغالاتها وتقييم السياسات العمومية الموجهة إليها.
قوة اقتصادية تساهم في استقرار الاقتصاد الوطني
لا يختلف اثنان حول الأهمية الاقتصادية الاستثنائية التي أصبحت تمثلها الجالية المغربية بالخارج. فوفق المعطيات الرسمية الصادرة عن مكتب الصرف وبنك المغرب، تجاوزت تحويلات مغاربة العالم خلال السنوات الأخيرة سقف 115 مليار درهم سنويا، وهو رقم قياسي يعكس قوة ارتباط أفراد الجالية بوطنهم الأم واستمرار مساهمتهم في دعم الاقتصاد الوطني.
وتعد هذه التحويلات من بين أهم مصادر العملة الصعبة بالمملكة، حيث تمثل ما بين 7 و8 في المائة من الناتج الداخلي الخام، كما تشكل موردا أساسيا لدعم احتياطي النقد الأجنبي وتمويل الاستهلاك والاستثمار وتحقيق التوازنات المالية للدولة.
وبلغة الأرقام، فإن تحويلات مغاربة العالم تفوق في بعض السنوات مداخيل قطاعات استراتيجية بأكملها، مما يجعل الجالية المغربية بالخارج فاعلا اقتصاديا محوريا وشريكا أساسيا في التنمية الوطنية.
بين المكتسب الدستوري وتعثر التمثيلية السياسية
جاء دستور سنة 2011 ليكرس مجموعة من الحقوق الدستورية لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج، حيث نصت الفصول 16 و17 و18 و30 على ضمان مشاركتهم في الحياة الوطنية وتمكينهم من حقوق المواطنة الكاملة، بما في ذلك حق التصويت والترشح.
كما نص الفصل 163 على إحداث مجلس الجالية المغربية بالخارج كمؤسسة دستورية تعنى بقضايا الهجرة والمهاجرين.
غير أن العديد من الفاعلين الجمعويين والحقوقيين يعتبرون أن تنزيل هذه المقتضيات الدستورية ظل محدودا، خصوصا فيما يتعلق بإحداث دوائر انتخابية خاصة بمغاربة العالم أو تمكينهم من انتخاب ممثليهم مباشرة من بلدان الإقامة.
ويؤكد هؤلاء أن الجالية المغربية ما تزال تؤدي واجباتها الوطنية كاملة، سواء من خلال التحويلات المالية أو الاستثمارات أو الدفاع عن المصالح العليا للمملكة بالخارج، دون أن تحظى بتمثيلية سياسية تتناسب مع وزنها الديمغرافي والاقتصادي.
الأحزاب السياسية والجالية.. اهتمام انتخابي موسمي؟
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، كثفت العديد من الأحزاب السياسية لقاءاتها التواصلية مع أفراد الجالية المغربية بأوروبا وأمريكا الشمالية، كما سارعت إلى إدراج قضايا الهجرة ضمن برامجها الانتخابية وخطاباتها السياسية.
غير أن عددا من المتابعين للشأن السياسي يرون أن هذا الاهتمام غالبا ما يظل مرتبطا بالمواعيد الانتخابية، في حين تغيب المبادرات التشريعية الجريئة الكفيلة بترجمة المطالب التاريخية للجالية إلى إجراءات ملموسة.
ويعتبر هؤلاء أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في استقطاب أصوات أو دعم مغاربة العالم خلال الحملات الانتخابية، بل في تمكينهم من المشاركة الفعلية في صناعة القرار السياسي الوطني، انسجاما مع التوجيهات الملكية والمقتضيات الدستورية.
انتخابات 2026.. فرصة لتصحيح المسار
يرى خبراء الهجرة أن انتخابات 2026 تشكل فرصة تاريخية لإعادة فتح النقاش حول نموذج جديد للمشاركة السياسية لمغاربة العالم، يوازن بين متطلبات السيادة الوطنية ومبدأ المواطنة الكاملة الذي يكفله الدستور.
فالجالية المغربية اليوم لم تعد مجرد امتداد بشري خارج الحدود، بل أصبحت تضم آلاف الكفاءات والخبراء والباحثين ورجال الأعمال والمنتخبين الذين راكموا تجارب ديمقراطية مهمة داخل بلدان الإقامة، وهو ما يجعل مساهمتهم في الحياة السياسية المغربية مكسبا وطنيا لا ينبغي التفريط فيه.
وفي ظل التحولات التي يعرفها المغرب، وتزايد الاهتمام الرسمي بقضايا الهجرة والكفاءات المغربية بالخارج، يبقى السؤال مطروحا بإلحاح: هل ستكون الانتخابات التشريعية لسنة 2026 محطة حقيقية لإنصاف مغاربة العالم سياسيا، أم أن ملف مشاركتهم سيظل مؤجلا رغم المكانة التي خصهم بها الدستور والعناية الخاصة التي ما فتئ جلالة الملك محمد السادس يوليها لهم؟
إن الجواب عن هذا السؤال لن يحدد فقط مستقبل العلاقة بين الدولة وجاليتها بالخارج، بل سيعكس أيضا مدى قدرة النموذج الديمقراطي المغربي على استيعاب جميع أبنائه أينما وجدوا، وتحويل المواطنة من مجرد شعار دستوري إلى ممارسة فعلية تضمن الحقوق وتكافئ الوفاء والانتماء.
