مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
تشكل الوثائق العقارية الصادرة خلال فترة الحماية الفرنسية بالمغرب رصيداً تاريخياً مهماً لفهم التحولات العمرانية والاجتماعية التي عرفتها المدن المغربية، إذ لا تقتصر وظيفتها على إثبات الملكية العقارية، بل تتجاوز ذلك إلى حفظ أسماء المعالم التاريخية وتوثيق انتقال الأملاك بين الأسر والشخصيات التي بصمت تاريخ مناطقها.
ومن بين هذه الوثائق ما ورد في الجريدة الرسمية للإمبراطورية الشريفة بتاريخ 30 يوليوز 1929، والتي تضمنت مطلبي تحفيظ عقاري تقدم بهما القاضي الحاج إدريس الورزازي المراكشي، الذي كان يشغل آنذاك منصب قاضي السراغنة ويقيم بين مراكش وقلعة السراغنة.
وثائق تحفظ أسماء معالم تاريخية
تكشف الوثيقة أن القاضي الحاج إدريس الورزازي تقدم بتاريخ 5 مارس 1929 بطلب تحفيظ عقار يحمل اسم «دار جيلجي والمشور»، مع رغبته في تغيير تسميته إلى «دار الورزازي». ويتكون العقار من أرض تضم بنايات، ويقع على بعد نحو كيلومتر واحد شمال مركز المراقبة المدنية بقلعة السراغنة، بمساحة تناهز أربعة هكتارات.
كما تقدم بطلب تحفيظ عقار ثانٍ يحمل اسم «القلعة الراشية»، مقترحاً تغيير اسمه إلى «فندق القاضي»، وتبلغ مساحته حوالي تسعة هكتارات وأربعة وتسعين آراً وأربعة وتسعين سنتياراً.
«دار جيلجي والمشور»… هل هي دار الزليج؟
تكمن الأهمية التاريخية لهذه الوثيقة في الإشارة إلى عقار يحمل اسم «دار جيلجي والمشور»، وهو اسم يثير اهتمام الباحثين في تاريخ قلعة السراغنة بالنظر إلى التقارب الواضح بين لفظ «جيلجي» واسم أسرة آيت الجيلالي القائدية التي ارتبطت بها أشهر المعالم التاريخية بالمدينة، والمعروفة باسم «دار الزليج».
وتؤكد المصادر التاريخية المحلية أن دار الزليج كانت مقراً للقيادة المخزنية ومركزاً لتدبير شؤون السراغنة خلال أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، حيث ارتبطت بالقائد محمد بن الجيلالي ووالده القائد الجيلالي بن محمد الصغير الملقب بـ«فتحا»، الذي عينه السلطان سيدي محمد بن عبد الله عاملاً على السراغنة، قبل أن يواصل أبناؤه أداء مهامهم في خدمة الدولة العلوية خلال عهد السلطان مولاي سليمان.
وقد شكلت دار الزليج رمزاً للحضور المخزني بالمنطقة، حيث كانت مقراً للإدارة المحلية ومركزاً لاستقبال الوفود القبلية والمبعوثين السلطانيين، كما احتضنت الاجتماعات المرتبطة بتدبير الأمن والشؤون الإدارية. واشتهرت بطابعها المعماري المميز الذي جمع بين الزليج التقليدي والزخارف الجبسية والأفنية الواسعة والمرافق المخصصة للخيول والحرس.
دلالة «المشور» في التاريخ المغربي
اللافت في الوثيقة العقارية أنها لا تذكر «دار جيلجي» فقط، بل تضيف إليها كلمة «المشور». ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة، لأن مصطلح «المشور» ارتبط تاريخياً بالمجالات التي تمارس فيها السلطة السياسية والإدارية داخل القصور السلطانية أو مقرات القواد الكبار.
وتوحي هذه التسمية بأن العقار لم يكن مجرد ملكية خاصة، بل كان يؤدي وظيفة إدارية أو سياسية خلال مرحلة سابقة، وهو ما يعزز فرضية ارتباطه بدار الزليج أو بأحد المكونات العمرانية التابعة لها.
غير أن الأمانة العلمية تقتضي التأكيد على أن هذا الربط يبقى في إطار فرضية تاريخية تستند إلى القرائن المتاحة، في انتظار اكتشاف وثائق إضافية، كالرُّسوم العدلية أو الخرائط التاريخية أو ملفات التحفيظ العقاري الكاملة، التي قد تحسم في هذه المسألة بشكل نهائي.
من القيادة المخزنية إلى ملكية القاضي
تكشف الوثيقة أيضاً عن جانب مهم من التحولات التي عرفتها المدينة خلال فترة الحماية، والمتمثل في انتقال بعض العقارات ذات القيمة التاريخية إلى شخصيات من النخبة القضائية والإدارية.
فالقاضي الحاج إدريس الورزازي لم يكن مجرد مسؤول قضائي، بل كان من أعيان المنطقة ومالكي العقارات المهمة داخل المجال الحضري لقلعة السراغنة. ويبدو من خلال مسطرة التحفيظ أنه سعى إلى تثبيت ملكيته القانونية لهذه الأملاك وإعادة تسميتها، حيث أصبحت «دار جيلجي والمشور» تحمل اسم «دار الورزازي»، فيما تحول اسم «القلعة الراشية» إلى «فندق القاضي».
وتندرج هذه العملية ضمن التحولات العقارية الكبرى التي عرفها المغرب خلال العقود الأولى من القرن العشرين مع تعميم نظام التحفيظ العقاري الحديث.
وثيقة تفتح آفاقاً جديدة للبحث
تتجاوز قيمة هذه الوثيقة بعدها العقاري لتتحول إلى مصدر أساسي لفهم تاريخ قلعة السراغنة وتطور مجالها الحضري. فهي تحفظ أسماء معالم تاريخية اندثر بعضها أو تغيرت وظائفه، وتوثق لوجود شخصيات بارزة لعبت أدواراً مهمة في الحياة القضائية والعقارية، كما تفتح الباب أمام أبحاث جديدة حول تاريخ دار الزليج وعلاقتها بأسرة آيت الجيلالي.
وإذا كانت أجزاء من دار الزليج ما تزال قائمة إلى اليوم، فإنها تمثل شاهداً مادياً على مرحلة مهمة من تاريخ الدولة المغربية بالسراغنة، وعلى الأدوار التي اضطلع بها القواد والقضاة في تدبير شؤون المنطقة. لذلك تبقى إعادة قراءة هذه الوثائق وربطها بالذاكرة المحلية والمعالم المتبقية خطوة أساسية نحو صون التراث التاريخي للمدينة وتثمينه لفائدة الأجيال القادمة.
إعداد وتوثيق: ذ. سعيد الحرشي
#دار_الزليج #قلعة_السراغنة #ذاكرة_السراغنة
