Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

القوانين المؤطرة للسياسة البيئية في المغرب: بين النص التشريعي ورهان الاستدامة

يشهد المغرب منذ بداية الألفية الثالثة تحوّلاً تدريجياً في نظرته إلى البيئة، لم يعد ينظر إليها كقطاع ثانوي أو ترف تنموي، بل كعنصر أساسي في معادلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
فمع تزايد التحديات المناخية، وشحّ الموارد الطبيعية، وتفاقم الضغط على المجالات الحضرية والزراعية، أصبح من الضروري اعتماد سياسة بيئية مؤطّرة بقوانين واضحة، قادرة على ضمان توازن بين النمو الاقتصادي وحماية الموارد الطبيعية.
ومن هنا برز سؤال جوهري: هل نجح الإطار القانوني المغربي في بناء سياسة بيئية حقيقية أم أننا ما زلنا في مرحلة الطموح التشريعي دون تنزيل فعلي؟
البيئة في قلب الرؤية الاستراتيجية للدولة:
منذ خطاب الملك الراحل الحسن الثاني حول “الميثاق الوطني للبيئة” في أواخر التسعينيات، أدرك المغرب أن التنمية المستدامة ليست مجرد شعار أممي، بل مسار وطني يفرض نفسه في التخطيط العمومي.
وقد تكرّس هذا التوجه بإطلاق الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة (القانون الإطار رقم 99-12)، الذي يعتبر المرجعية الأساسية لكل القوانين البيئية اللاحقة.
الميثاق يؤكد أن حماية البيئة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وأن كل السياسات العمومية يجب أن تراعي البعد البيئي في التخطيط، من الفلاحة إلى الصناعة، ومن العمران إلى النقل.
إلا أن هذا الطموح الكبير يصطدم بتحدٍّ جوهري: بطء التنزيل الميداني وغياب أدوات الرقابة الفعّالة القادرة على تحويل النصوص إلى ممارسة يومية داخل الإدارات والمقاولات والمجالس الترابية.
تشريعات متعددة… ورهانات متشابكة:
من يطالع المنظومة القانونية المغربية سيلاحظ غناها الكبير في المجال البيئي. فهناك ترسانة من القوانين المتكاملة، من بينها:
القانون رقم 11-03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة، الذي أرسي المبادئ الكبرى للتوازن البيئي والوقاية من التلوث.
القانون رقم 12-03 الخاص بدراسة التأثير على البيئة، الذي جعل كل مشروع استثماري خاضعاً لتقييم بيئي مسبق.
القانون رقم 13-03 لمكافحة تلوث الهواء، وهو من النصوص الرائدة في المنطقة العربية.
القانون رقم 28-00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، الذي وضع أسس “الاقتصاد الدائري” ولو في بعده النظري.
القانون رقم 81-12 الخاص بالساحل، الذي يعالج قضايا التعمير البحري والضغط السياحي على المناطق الشاطئية.
هذه النصوص القانونية تؤسس لرؤية متكاملة، لكن الإشكال يكمن في ضعف التنسيق بين المؤسسات، وغياب أدوات الزجر والردع، فضلاً عن محدودية الوعي البيئي لدى بعض الجماعات والمقاولات.
قانون الماء: نموذج طموح في التدبير المندمج:
يعتبر قانون الماء رقم 10-95 واحداً من أبرز التشريعات التي تجسد فكرة الاستدامة.
فهو ينظر إلى الماء كـ“ملك عمومي” لا يجوز التصرف فيه خارج المصلحة العامة، ويؤكد على ضرورة حماية الأحواض المائية من التلوث والاستنزاف، ويؤسس لمبدأ التضامن بين الجهات المائية في فترات الجفاف.
لكن مع توالي الأزمات المائية، خصوصاً في السنوات الأخيرة، أبانت التجربة عن حاجة ماسة لتحديث هذا القانون، بما يتماشى مع التغيرات المناخية ومعايير الحكامة البيئية الجديدة.
مؤسسات بيئية… بين الطموح والواقع:
رغم إحداث أجهزة عديدة مثل الشرطة البيئية، والمجالس الجهوية للمحافظة على البيئة، والمرصد الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، فإن حضور هذه المؤسسات في الميدان لا يزال محتشماً.
ويرجع ذلك إلى ضعف التنسيق بين القطاعات الحكومية، ونقص الموارد البشرية المؤهلة، وغياب ثقافة بيئية راسخة داخل الأجهزة الإدارية.
فالمشكل لم يعد في النصوص، بل في الإرادة التنفيذية التي تحوّل القانون إلى ممارسة.
البعد الدولي والالتزامات المناخية:
انخراط المغرب في اتفاقيات دولية مثل اتفاق باريس للمناخ (2015) وأجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة جعله ملزماً بتقارير دورية حول خفض الانبعاثات وتحسين مؤشرات البيئة.
وقد برز هذا الالتزام أكثر خلال تنظيم مؤتمر الأطراف COP22 في مراكش سنة 2016، الذي جعل المغرب منصة إقليمية للنقاش البيئي.
غير أن التحدي الحقيقي اليوم هو الاستمرارية في التنفيذ، وليس فقط التوقيع على المواثيق.
بين القانون والوعي: الطريق إلى مواطنة بيئية:
البيئة ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية المجتمع بأكمله.
فالقانون مهما كان محكماً، يظل عاجزاً إن لم يواكبه وعي جماعي وسلوك مدني يحترم الفضاء العام والطبيعة.
ومن هنا، تبرز أهمية التربية البيئية في المدارس، والتواصل المؤسساتي الفعّال، وإشراك المجتمع المدني في مراقبة وتنفيذ السياسات البيئية.
لقد راكم المغرب، خلال العقدين الأخيرين، ترسانة تشريعية مهمة تؤسس لسياسة بيئية طموحة.
لكن التحدي الأكبر يظل في الانتقال من مرحلة النص إلى مرحلة الفعل، من القوانين إلى الممارسات، ومن الخطط إلى النتائج الملموسة.
فالمستقبل البيئي للمغرب لن يُبنى بالقوانين وحدها، بل بإرادة جماعية حقيقية تؤمن بأن حماية الطبيعة ليست ترفاً، بل شرطاً أساسياً لاستمرار الحياة والتنمية.
 بدر شاشا
كاتب صحفي وباحث مهتم بالشأن البيئي والتنمية المستدامة

شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...