مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
على الطريق الثانوية الرابطة بين المدخل الشمالي لمدينة آزرو وإفران، تقع قرية صغيرة تحمل اسم “بن صميم”، قرية قد تبدو عادية للمارّ العجول، لكنها تخفي بين جبال الأطلس المتوسط وغاباته الكثيفة قصة مكان عجيب تحوّل من صرح طبي فريد إلى أطلال صامتة تروي حكاية الإهمال والنسيان.
تبدأ الحكاية في زمن الحماية الفرنسية، حين سحر جمال إفران أنظار المستعمرين. الطبيعة الخلابة، غابات الأرز الممتدة، الوديان الباردة، والينابيع الصافية التي شبّهوها بعيون جبال الألب، جعلت من المدينة “سويسرا الصغيرة”. خلال الأربعينيات، اكتشف الفرنسيون في المنطقة كنزاً من نوع آخر: مناخ متوسطي معتدل ورطب بفضل ارتفاعها الذي يبلغ نحو 1630 متراً عن سطح البحر، ما جعلها بيئة مثالية لمعالجة الأمراض الصدرية والتنفسية، المنتشرة حينها بسبب داء السل.
عام 1948، وُضع حجر الأساس لمستشفى بن صميم، مشروع طبي ضخم شُيّد وسط الغابات وعلى مساحة تناهز أربعين هكتاراً، ليكون نموذجاً فريداً في البنية والتجهيز. المستشفى يتألف من ثمانية طوابق ويضم أكثر من 400 سرير، إضافة إلى مرافق متطورة لزمنه مثل قاعة للسينما وملاعب رياضية وحدائق استشفائية. بدأ العمل فيه سنة 1954، فكان قبلة للمرضى الباحثين عن الشفاء في الهواء النقي والهدوء الجبلي.
لكن قصة هذا الصرح لم تدم طويلاً. فبعد الاستقلال، ووسط تحولات إدارية وصحية، بدأ نشاط المستشفى في التراجع تدريجياً إلى أن أُغلق نهائياً سنة 1973. ومنذ ذلك التاريخ، ظل المبنى شاهداً على زمن مضى، تحيط به الغابات وتنهشه الرياح، فيما تتناقل الألسن بين سكان المنطقة أساطير حول سبب الإغلاق المفاجئ. إحدى الروايات الشعبية تقول إن سيدة كانت تتلقى علاجها هناك اختفت في ظروف غامضة، وقيل إن “الأشباح” ألقت بها من أعلى السلالم، لتُعلن وفاتها بطريقة مثيرة.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى: لا أشباح هناك سوى شبح الإهمال، الذي سرق تجهيزات المستشفى قطعة بعد أخرى، تاركاً جدرانه خاوية ونوافذه مكسورة وأبوابه مفتوحة للريح والغبار. اليوم، يقف هذا المبنى الضخم وسط الغابة، يثير فضول الزوار والخوف في آن، ويطرح سؤالاً حارقاً: كيف يُترك مشروع طبي بهذا الحجم، بموارده وموقعه الفريد، يندثر بهذه السهولة؟
مستشفى بن صميم ليس مجرد أطلال خرسانية، بل رمزٌ لمرحلة من تاريخ المغرب الصحي والإداري، وشاهد على سوء تدبير مرفق كان يمكن أن يتحول إلى مركز استشفائي مرجعي أو منتجع طبي سياحي ينعش المنطقة اقتصادياً. إلى متى سيظل هذا “الكنز المفقود” منسياً بين غابات الأطلس، ينتظر أن يمدّ أحدهم إليه يد الحياة من جديد؟

