يُعدّ مشروع نفق تيشكا من بين الأوراش البنيوية التي طال انتظارها، رغم ما يحمله من أهمية استراتيجية في ربط مراكش بورزازات وباقي أقاليم الجنوب الشرقي، وفك العزلة عن مناطق ظلّت لعقود رهينة لوعورة التضاريس وتقلبات المناخ. فممر تيزي نتيشكا، في وضعه الحالي، لم يعد يستجيب لمتطلبات السلامة الطرقية ولا لحاجيات التنمية المجالية.
ورغم توالي الإعلانات حول المشروع، ما يزال نفق تيشكا مؤجَّلًا، في وقت أثبتت فيه الدولة قدرتها على إنجاز مشاريع بنيوية كبرى في آجال قياسية، كما هو الحال بالنسبة للملاعب الرياضية التي تم تشييدها في ظرف لم يتجاوز أربعة عشر شهرًا، ووفق معايير دولية دقيقة. والمقارنة هنا ليست للتقليل من أهمية هذه المنشآت، بل لطرح سؤال مشروع حول تفاوت منسوب الاستعجال بين المشاريع، ومدى انسجامه مع مبدأ العدالة المجالية الذي يشكّل أحد مرتكزات السياسات العمومية.
ولا ينعكس هذا التأجيل فقط على حركة التنقل أو مستوى السلامة الطرقية، بل يمتدّ أثره إلى الحياة اليومية لساكنة الجنوب الشرقي. فالانقطاع المتكرر للطريق، بسبب تساقط الثلوج أو الانهيارات الجبلية، يؤدي إلى تعطّل تزويد الأسواق المحلية بالمواد الأولية، خاصة الخضر والفواكه، ما يتسبّب في ندرتها وارتفاع أسعارها. وهو وضع يجعل العزلة الجغرافية تتحوّل إلى ضغط اقتصادي مباشر على الأسر، في مناطق تعاني أصلًا من هشاشة اجتماعية وبُعد عن مراكز الإنتاج والتوزيع.
إن الحديث عن نفق تيشكا اليوم لم يعد ترفًا تنمويًا ولا مطلبًا ظرفيًا، بل أصبح ضرورة اجتماعية واقتصادية، واختبارًا فعليًا لجدّية الالتزام بشعار الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية. فالتنمية لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو رمزية المشاريع، بل بقدرتها على ضمان الحق في التنقل الآمن، واستقرار كلفة المعيشة، وحماية كرامة المواطن، خاصة في المناطق التي لا تزال تنتظر أن تتحوّل الوعود إلى إنجازات ملموسة.