مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
آخرخبر | ميمونة داهي
في شهرٍ يبدأ بهلالٍ وينتهي بهلال، غاب عنا صوتٌ كان يشبه ضوء القمر في نقائه وشجنه. رحلت نعيمة سميح، الصوت الذي رافق المغاربة في أفراحهم وأحزانهم، ورحلت معها حقبة من الطرب الأصيل الذي كان يملأ القلوب دفئًا والآذان طربًا. في عيد المرأة، وكأنها أرادت أن تجعل من رحيلها بصمة أخرى في تاريخ الإبداع النسائي المغربي، غادرتنا بهدوءٍ كما لو أنها كانت تغني “غاب علينا الهلال” لنفسها هذه المرة، لكنها غابته للأبد.
هل كان رحيلها صدفةً، أم أن القدر أراد أن تكون نهايتها في شهرٍ يشبه بدايته نهايته، كما كانت هي، تبدأ وتنتهي في نفس النقطة: العطاء المطلق؟
منذ أن شدت “جريت وجاريت، الزهر وما عطانيش”، كأنها كانت تحكي حكايتها مع الحياة، مع الفن، ومع الزمن الذي لم ينصفها كما تستحق. كانت نعيمة سميح حالةً فريدةً، ليست مجرد مغنية بصوتٍ استثنائي، بل ذاكرةً موسيقيةً حملت هموم المغاربة بصدقٍ لم يكن يحتاج إلى تبرير. كانت تغني بعمق، كأنها تفتح قلبها لا حنجرتها، كأنها تنقل إلينا مشاعرها كما هي، بلا تصنع ولا زيف.
سرقها المرض مبكرًا من المسرح، لكن أحدًا لم يستطع سرقتها من وجدان المغاربة. ظلت أغانيها تتردد في الأزقة، في البيوت، في الإذاعات، وفي قلوب كل من استمع إليها ذات يوم. لم تكن تسعى إلى الأضواء، بل كانت هي الضوء نفسه. لم تكن تحتاج إلى بهرجة، فقد كان صوتها وحده كافيًا ليصنع مجدًا لا يتكرر.
رحلت في زمنٍ يعج بالتفاهة، حيث تحول الفن إلى ضجيجٍ بلا روح، والصوت إلى صورة، والأغنية إلى سلعة. رحلت في زمنٍ يحتاج إليها أكثر من أي وقتٍ مضى، لكنها اختارت الصمت كما اختاره المرض لها منذ سنوات. ومع ذلك، كيف لصوتٍ كصوتها أن يموت؟ كيف لغنائها أن يتحول إلى مجرد ذكرى؟
نعيمة سميح لن تموت، لأن الأصوات الخالدة لا تعرف الفناء. ستظل “غاب علينا الهلال” نشيدًا للشجن، وستظل “ياك أجرحي” بوحًا لكل عاشق، وستظل “راوي” حكاية لا تنتهي. ربما غابت صاحبة الصوت، لكن صوتها سيبقى، تمامًا كما يبقى الهلال، يغيب ليعود من جديد.
رحمك الله يا نعيمة، كنتِ وسيظل فنكِ هلالًا لا يأفل أبدًا.
