مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
محمد التفراوتي
يتميز البحر المتوسط بخصوصية قانونية فريدة. فعلى عكس المحيطات الشاسعةالتي تتضمن مساحات واسعة من أعالي البحار، فإن مياهه تكاد تقسم بالكاملبين الدول المطلة عليه. فجزء منه يخضع للسيادة الوطنية المباشرة في إطار البحارالإقليمية (نحو 12 ميلا بحريا)، بينما تبسط الدول سلطاتها الاقتصادية فيمناطق أوسع تعرف بـالمناطق الاقتصادية الخالصة، حيث تملك حقوقا في استغلالالموارد الطبيعية دون سيادة كاملة. ونظرا لضيق البحر وتداخل السواحل، لا تكادتتبقى فيه مناطق تصنف كأعالي البحار، ما يجعله بحرا بين السيادة الوطنيةوالمناطق الاقتصادية، بلا فراغ دولي مستقل كما هو الحال في المحيطات.
فجوة الحماية بين النص والتنفيذ
و رغم أن البحر المتوسط لا يصنف كأعالي البحار بموجب معاهدة الأمم المتحدةلحفظ التنوع البيولوجي البحري في المناطق الواقعة خارج نطاق السيادة الوطنية(BBNJ)، إذ إن جميع مياهه تقع ضمن السيادة الوطنية للدول المشاطئة أومناطقها الاقتصادية الخاصة، إلا أن المبادئ والأدوات العلمية التي تروج لهاالمعاهدة تظل ذات أهمية بالغة. فإدارة المخزونات السمكية وتحديد المناطق البحريةالمهمة بيئيًا يمكن أن تستفيد من نماذج توزيع الأنواع والتقييمات البيئية الصارمة،بما يعزز حماية التنوع البيولوجي والاستدامة البيئية في المتوسط، ويتيح تحقيقتوازن أفضل بين المصالح الاقتصادية والبيئية للدول المشاطئة والمجتمعاتالساحلية.
ويشهد البحر المتوسط هشاشة جلية وحاجة ملحة لتعزيز الحماية. وحسب تقريرالصندوق العالمي للطبيعة (WWF) ، فإن المحميات البحرية المعينة في المتوسطتبلغ حوالي 9.68 في المائة من مساحته، لكن من بينها فقط 1.27في المائة تدارفعليا بخطة تنفيذ فعالة. و توجد في المتوسط أكثر من 1000 محمية بحرية معلنةتغطي نحو 6.5 في المائة من المسطح البحري، لكن منها فقط 76 محمية تحصلعلى درجة حماية كاملة تغطي 0.04 في المائة من البحر.
هذه الفجوة بين الإعلان والتنفيذ هي تحد يومي على الضفة المتوسطية، وتوضح أنمجرد وجود مناطق محمية لا يكفي، بل التنفيذ والمراقبة هما الأساس. وكما أنالمنظمة الإقليمية لإدارة لمصايد الأسماك (ORGP) تظل السلطات المخولة لإدارةمصايد الأسماك عبر العالم، فإن معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار “BBNJ” لاتعوضها بل صممت لتكملها. وفي البحر المتوسط تحديدا، يمكن للمعاهدة أن تسهمفي إرساء أدوات إدارة مكانية تتقاطع مع المناطق التي تديرها بالفعل هذهالمنظمات. فعلى سبيل المثال، إذا أنشأت المعاهدة (BBNJ) منطقة بحرية محمية(AMP) ضمن نطاق صيد “الميرلو الأوروبي” (Merluccius merluccius)،ستواصل الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط (CGPM) إدارة الحصصوجهود الصيد، غير أن الاتفاقية قد تفرض حماية أكثر صرامة، مثل منع الصيد فيمناطق حضانة الأسماك.
معاهدة أعالي البحار: منارة تتجاوز المحيطات
إن التفعيل الدولي لمعاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار بشأن حفظ التنوعالبيولوجي البحري واستخدامه المستدام في المناطق الواقعة خارج نطاق الولايةالوطنية (BBNJ)، وهي صـك دولـي ملـزم قانونيا، حمل دلالات مهمة للضفةالمتوسطية. المتوسط غارق في تفاعلات بيئية واجتماعية واقتصادية تتصلبالمحيطات، فإذا ما تغلبت المعاهدة على عوائق الحوكمة للمحيطات، فإن هذهالمكاسب يمكن أن تستلهم لتحسين إدارة البحر المتوسط، وخصوصا في مجالاتحماية التنوع، تقييم التأثيرات البحرية العابرة، ودعم قدرات الدول الأقل مواردا.
في هذا السياق، يمكن أن نرى المتوسط كـجسر بين العالم المغلق المائي (حيثتحكمه الولايات الوطنية) والعالم المفتوح للمحيطات، ما يحدث في أعالي البحار،من صيد عميق أو استغلال معدني، قد ينعكس على التوازن البيني والنظم الحيويةالتي تربط المتوسط بالمحيطات الأطلسية.
تبرز معاهدة أعالي البحار كإشارة دولية قوية، إذ تضع معايير إلزامية لحمايةالتنوع البحري وتفرض أدوات تقييم التأثير البيئي، وتشجع على إنشاء محمياتبحرية فعالة. وقد احتفل قادة العالم بهذا الإنجاز التاريخي في نيويورك، معتبرينأن حماية نصف كوكب الأرض أصبحت ممكنة قانونيا. أما بالنسبة للبحر المتوسط،الذي يقع معظم مياهه ضمن سيادة الدول، فإن المعاهدة تشكل منارة توجيهية وقوةضغط دولية يمكن أن تستلهمها الضفة المتوسطية لتحسين إدارة التنوع البيولوجي،تقييم التأثيرات العابرة، وتعزيز قدرة الدول الأقل مواردا على حماية بيئتها البحرية.
النماذج المتوسطية: بين الواقع والطموح
فإذا تم أخذ مثال سمك الدنيس الوردي (Pagellus bogaraveo)، النوع التجاريالمرغوب في الساحل المغربي والإسباني، في بحر البوران، تبنت الهيئة العامةلمصايد الأسماك في البحر الأبيض المتوسط ( GFCM) خطة إدارة متعددةالسنوات لضبط الصيد وضمان استدامة النوع. كما أظهر بحث جديد اندماجالبيانات البيئية والمصايد لتحديد المناطق التي يستحب حمايتها مكانيا لحماية هذاالنوع من الإفراط في الصيد.
لكن إدارة المخزونات للأنواع الهشة تتطور أيضا عبر اعتماد آليات “تقييماستراتيجيات الإدارة” (MSE) التي تحدد حصصا مبنية على العلم. ويتوقع أنتدمج الهيئة هذا العام آلية التقييم (MSE) في إدارة سمك “الباغط” (الدنيس) الوردي.
هذه التجربة تمثل “نموذجا متوسطيا” يمكن أن يزدهر إذا رافقته معايير عالميةمشجعة مثل معاهدة أعالي البحار. و تؤكد أن الإدارة المكانية المدروسة والمستندةإلى الأدلة العلمية يمكن أن تصبح محورا رئيسيا في حماية التنوع البيولوجيالبحري في البحر المتوسط، وتشكل قاعدة صلبة لوضع سياسات صيد مستدامة،وربط جهود حماية أعالي البحار بالمصالح المحلية في المناطق الساحلية، بما يحققالاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية معا.
إذا، رغم أن المعاهدة لا تطبق مباشرة على مياه المتوسط، إلا أنها تشكل منارةتوجيهية وقوة ضغط دولية يمكن أن تعيد ترتيب أولويات الضفة المتوسطية: من تقييمالأثر البيئي إلى حماية شاملة وربط المحميات، إلى بناء القدرات وتبادل المعرفة. فالمعاهدة ليست هدفا لبعيد، بل فرصة تدفع المتوسط ليكون جزء فاعلا من التشابكالبحري العالمي، لا مجرد ساحل يراقب من بعيد ما يجري في المحيطات.
صوت الخبراء: تحذير وأمل
وأفاد السيد “أنيول إستيبان“، مدير مؤسسة “ماريلس” (Fondation Marilles)،أن البحر المتوسط يحتضن 11 في المائة من الأنواع البحرية المعروفة في العالم رغمأنه لا يمثل سوى 0,3 في المائة من حجم المحيطات. غير أن هذه الثروة الطبيعيةمهددة بفعل غياب التحرك الكافي، مما ينذر بخسارة بيئية خطيرة ستزيد منهشاشة منطقة تعيش أصلا على وقع أزمات متعددة، وتقلل من قدرتنا على مواجهةتداعيات التغير المناخي. وأضاف قائلا «إن معظم المخزونات السمكية في المتوسطتعاني من الاستغلال المفرط، فيما اختفت أنواع بارزة مثل سمك المنشار أو أسماكالقرش المطرقة أو هي على وشك الانقراض. كما أن الضغوط الناتجة عن السياحةوالنقل البحري تتزايد باستمرار، بينما ترتفع حرارة مياه المتوسط بوتيرة مضاعفةمقارنة بباقي المحيطات
و رغم هذه الصورة القاتمة أكد أن هناك أمل. فمخزون التونة الحمراء يتعافى بعدأن كان قبل عقد مهددا بالانقراض. وفي مناطق محمية مثل خليج “غوكوفا” بتركيا،الذي كان شبه خاو، عادت الحياة تزدهر فيه من جديد، بما في ذلك فقمة الراهبوأسماك القرش الرمادية. كما أن أساطيل صيد مبتكرة في جزر البليار تثبت أنالصيد الأقل يمكن أن يحقق أرباحا أكثر. أما منظمات المجتمع المدني، فقدأصبحت أكثر تنظيما داخل تحالفات وائتلافات تعمل بجدية من أجل استعادةالمخزونات السمكية وتوسيع المساحات البحرية المحمية وإحياء المتوسط. ذلك أنتشخيص الوضع والحلول بات واضحا. “نحتاج إلى زيادة وتجويد المناطق البحريةالمحمية لتغطي 30 في المائة من مياهنا، مع إغلاق واحد من كل عشرة كيلومتراتمربعة أمام الصيد وكل الأنشطة الاستخراجية. كما يجب تحويل قطاع الصيد إلىنشاط مستدام منخفض الأثر، وتنفيذ خطط عمل لحماية الأعشاب البحريةك“البوسيدونيا” والموائل المرجانية، والتقليص من الضغوط المتنامية على المتوسط. والأهم، رفع الاستثمارات في مجال الحفاظ على البحار، حيث يمكن أن يساهمتخصيص 1 في المائة من الميزانيات الوطنية، مع دعم القطاع الخاص، بشكل كبيرفي إعادة الحياة إلى البحر“. وأشار السيد “أنيول إستيبان أن ازدهار منطقةالمتوسط، وسكانها، وقطاعاتها الحيوية مثل السياحة والصيد، رهين برأسمالطبيعي سليم. واستعادة المتوسط إلى حالة ممتازة من الحفظ هو أفضل ضمانلمستقبل تدفقات السلع والخدمات التي يوفرها.
المتوسط مرآة للمحيطات
يشكل البحر المتوسطي مرآة للمحيطات وإن كان محكوما بالسيادات الوطنية. فهومختبر صغير للتوازن بين المصالح الاقتصادية والبيئية، بين السيادة الوطنيةوالمسؤولية العالمية. حماية المتوسط ليست شأنا محليا فقط، بل رسالة كونية تؤكد أنالحفاظ على ثروات البحر هو الضمانة الحقيقية لازدهار الإنسان والطبيعة مع
