Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

متلازمة كاراكاس في قصر المرادية: قراءة في احتمالات التحول الجيوسياسي الجزائري على ضوء المشهد الفنزويلي

تشير التحولات المتسارعة التي تشهدها فنزويلا في الآونة الأخيرة، وما رافقها من اهتزاز عميق في بنية النظام الحاكم، إلى ما هو أبعد من مجرد أزمة داخلية في دولة من دول أمريكا اللاتينية. فالمشهد الفنزويلي بات، في نظر العديد من المراقبين، نموذجا لما يمكن تسميته بـ«تصفية الجيوب الجيوسياسية المتمردة» التي ترى واشنطن أنها تعيق إعادة ترتيب النظام الدولي بما يخدم مصالحها الاستراتيجية في مرحلة دولية شديدة الاستقطاب.

في هذا السياق، تبرز الجزائر في عدد من دوائر التحليل كحالة مرشحة للتأثر بهذه التحولات، ليس من باب النبوءة أو التهويل، بل نتيجة تقاطع مجموعة من العوامل: هشاشة داخلية مزمنة، عزلة إقليمية متنامية، وتناقض واضح بين خيارات السياسة الخارجية الجزائرية وأولويات الولايات المتحدة في ظل عودة خطاب الحسم والضغط في السياسة الأمريكية.

أولى هذه العوامل تتمثل في ما يمكن وصفه بـ«عقيدة الحصار الطاقي»، وهي مقاربة أمريكية تسعى إلى تطويق صعود الصين عبر التحكم في منابع الطاقة الحيوية. وفي هذا الإطار، تعد الجزائر فاعلا طاقيا مهما خارج السيطرة الغربية الكاملة، بفضل موقعها الجغرافي واحتياطاتها من الغاز الطبيعي، فضلا عن توظيفها لعائدات الطاقة في دعم تحالفات إقليمية ودولية تصنف في واشنطن ضمن المعسكر المناوئ، سواء تعلق الأمر بإيران أو بملفات خلافية مثل قضية الصحراء ودعم جبهة البوليساريو.

ويفهم من هذا المنظور أن الضغط على الأنظمة الريعية التي توظف الثروة الطبيعية كورقة سيادية خارج التوافق الدولي قد يصبح جزءا من معركة أوسع عنوانها إعادة ضبط موازين القوة العالمية. وفي هذا السياق، يقرأ بعض المراقبين الصمت الجزائري إزاء ما يجري في فنزويلا باعتباره تعبيرا عن إدراك عميق لخطورة التشابه البنيوي بين التجربتين، وخشية من انتقال العدوى السياسية.

داخليا، يواجه النظام الجزائري ما يمكن تسميته بـ«الاحتراق الذاتي للشرعية». فمنذ عقود، قام الاستقرار السياسي على معادلة تقوم على توزيع الريع مقابل السكون الاجتماعي، إلى جانب توظيف خطاب التهديد الخارجي لتبرير القبضة الأمنية. غير أن تآكل الموارد، وتراجع الفعالية الاقتصادية، وانسداد الأفق السياسي، كلها عوامل جعلت هذه المعادلة أقل قدرة على الصمود. فالحراك الشعبي، وإن خفت حضوره في الشارع، لم يهزم بقدر ما تحول إلى حالة احتقان صامتة تنتظر لحظة الانفراج أو الانفجار.

وتظهر تجارب عدة، من بينها فنزويلا، أن الأنظمة التي تختزل الدولة في المؤسسة العسكرية، وتحول المجتمع إلى كتلة خاضعة، تكتشف في لحظات التحول الكبرى أن الجيوش، مهما بلغ نفوذها، تفتقر إلى عقيدة المواجهة مع شعوبها عندما يتآكل الغطاء الدولي ويسحب الدعم الخارجي.

إقليميا، تبدو الجزائر اليوم في وضعية عزلة شبه شاملة. فقد أدى التوتر المزمن مع المغرب، والقطيعة مع عدد من دول الساحل، والعلاقات المتوترة مع ليبيا وبعض دول الخليج، إلى تقليص هامش المناورة الدبلوماسية إلى أدنى مستوياته. هذه العزلة تجعل أي تحول داخلي أو ضغط خارجي أقل كلفة على المستوى الدولي، في ظل غياب حلفاء إقليميين مستعدين لتقديم دعم حاسم للنظام القائم. بل إن بعض الأطراف الإقليمية قد ترى في أي تغيير قادم فرصة لإعادة تشكيل التوازنات في شمال إفريقيا.

في الخلاصة، لا يمكن فهم النقاش الدائر حول مستقبل الجزائر بمعزل عن التحولات الكبرى في السياسة الأمريكية، خاصة مع عودة خطاب القوة والضغط المباشر. فالرهان على أن واشنطن باتت أقل تسامحا مع محاولات الخروج عن منظومتها الاقتصادية والسياسية ليس طرحا دعائيا، بل قراءة في سياق دولي يتجه نحو الحسم بدل الاحتواء. ومن هذا المنظور، قد لا يكون المشهد الفنزويلي سوى إنذار مبكر بأن الأنظمة التي تفقد شرعيتها الداخلية وتغامر بعزلتها الخارجية، تجد نفسها في لحظة ما وحيدة أمام عاصفة التغيير.

بقلم: الأستاذ عبد اللطيف أيت بوجبير

محام بهيئة الدار البيضاء


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...