Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين يهدر المال العام وتهمش معاناة الساكنة: حفر الآبار بجماعة سيدي غانم نموذجا

آخر خبر

تعود إشكالية تدبير الشأن المحلي وصرف المال العام إلى الواجهة بجماعة سيدي غانم بإقليم الرحامنة، في سياق يثير الكثير من علامات الاستفهام والجدل، عقب الإقدام على حفر أربعة آبار بعدد من الدواوير، من بينها إيمفود وأولاد الطاهرة وأولاد منصور وأولاد سيدي علي.

هذا القرار، الذي قد يبدو في ظاهره مبادرة تنموية تهدف إلى تعزيز التزود بالماء، يطرح في عمقه تساؤلات حقيقية حول ترتيب الأولويات ومدى استجابة المشاريع المنجزة للحاجيات الفعلية للساكنة. فالمفارقة الصارخة تكمن في كون هذه الدواوير تتوفر سلفاً على سقايات للماء الصالح للشرب، في حين لا تزال دواوير أخرى داخل نفس الجماعة تعاني منذ سنوات طويلة من غياب هذه الخدمة الأساسية، إلى جانب نقص حاد في البنيات التحتية الحيوية كالكهرباء والطرق والمؤسسات التعليمية والصحية.

ويطرح هذا الوضع أكثر من علامة استفهام حول جدوى تخصيص اعتمادات مالية إضافية لحفر آبار جديدة في مناطق لا تعاني خصاصا ملحا، بل إن بعضها يطرح إشكالا أكبر يتعلق بغياب فرشة مائية كافية، ما يثير مخاوف بشأن فعالية هذه المشاريع واستدامتها. أليس من الأجدر، في ظل هذه المعطيات، توجيه الموارد نحو توسيع شبكة التزود بالماء الصالح للشرب لفائدة المناطق الأكثر تضرراً؟

ما يحدث في جماعة سيدي غانم لا يمكن اعتباره حالة معزولة، بل يندرج ضمن نمط متكرر في تدبير بعض الجماعات الترابية، حيث تغيب الدراسات الميدانية الدقيقة، وتستبدل بقرارات قد تحكمها اعتبارات ظرفية أو حسابات انتخابية، بدل الارتكاز على رؤية تنموية مندمجة ومبنية على معطيات واقعية.

وتزداد خطورة هذا الوضع في ظل السياق الوطني الذي يتسم بندرة متزايدة في الموارد المائية، الأمر الذي يفرض أن تكون كل المشاريع المرتبطة بهذا القطاع قائمة على أسس علمية دقيقة ومقاربة استدامة واضحة، بعيدا عن منطق “تكثير المشاريع” دون تقييم أثرها الحقيقي على الأرض.

في المقابل، يظل سؤال الشفافية والتواصل حاضرا بقوة. فالمواطن، الذي يعاين يوميا حفر بئر بالقرب من سقاية يستعملها، يجد نفسه أمام تساؤلات مشروعة حول خلفيات هذه القرارات: هل الهدف فعلا هو تعزيز الأمن المائي، أم مجرد تسجيل أرقام ضمن حصيلة الإنجازات؟

إن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما نص عليه الدستور، يقتضي فتح نقاش جدي ومسؤول حول هذه المشاريع، من حيث جدواها وكلفتها والجهات التي بادرت بها وصادقت عليها، بما يضمن حسن توظيف المال العام وخدمة الصالح العام.

اليوم، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة طريقة تدبير الأولويات التنموية بجماعة سيدي غانم، واعتماد مقاربة تشاركية حقيقية تضع المواطن في صلب القرار، وتستجيب لانتظاراته الفعلية، بدل الاستمرار في إنتاج مشاريع قد تفتقر إلى الأثر الملموس.

فالتنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الآبار التي تحفر، بل بمدى قدرتها على تحسين ظروف عيش الساكنة. وبين الواقع والانتظارات، يظل الأمل معقودا على تدخل السلطات الإقليمية لإعادة توجيه البوصلة نحو ما يخدم فعلا مصلحة المواطنين… وذلك هو التحدي الأكبر.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...