مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
“ليست أخطر أخطاء القادة أن يخسروا معركة، بل أن يختاروا المعركة الخطأ.”
هكذا يمكن تلخيص أحد أهم الدروس التي خلفها المؤرخ الإغريقي “ثوسيديديس” وهو يوثق لصراعات المدن الإغريقية قبل أكثر من ألفي عام. فالتاريخ السياسي لم يكن يوما مجرد سجل للحروب، بل كان، في جوهره، سجلا للقرارات التي اتخذها القادة، وللكلمات التي غيرت مسار الأحداث.
في السياسة، لا تقاس قيمة الخطاب بقدرته على إثارة الضجيج، بل بقدرته على إنتاج المعنى. والسياسي الذي ينجح في اختيار معاركه، يختصر على نفسه وعلى حزبه كثيرا من الخسائر، أما حين يختلط عليه ترتيب الأولويات، فإن الكلمات تتحول من أدوات للإقناع إلى أعباء تلاحقه قبل أن تلاحق خصومه.
من هذه الزاوية، لا ينبغي أن يقرأ الجدل الذي أثاره الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، عقب استعماله وصفا أثار نقاشا واسعا، باعتباره مجرد زلة لسان أو هفوة لغوية. فالقضية، في جوهرها، تتجاوز مفردة بعينها إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الخطاب السياسي، وحدود المعارضة، وكيفية إدارة الاختلاف داخل دولة تقوم على مؤسسات راسخة وتوازنات دقيقة.
لقد كتب عالم الاجتماع الألماني “ماكس فيبر” في مؤلفه الشهير السياسة باعتبارها حرفة أن رجل السياسة الحقيقي لا يقاس فقط بصدق نواياه، وإنما بقدرته على تحمل مسؤولية النتائج التي تترتب على كلماته. فالكلمة السياسية لا تبقى ملكا لقائلها بعد أن تنطق، بل تدخل الفضاء العمومي، وتقرأ في ضوء الموقع الذي يشغله صاحبها، والظرف الذي قيلت فيه، وما يمكن أن تتركه من آثار. وهنا يكمن جوهر النقاش.
فالسؤال ليس من كان المقصود بالوصف، ولا كيف فهمت العبارة، وإنما: ما الذي أضافه هذا الخطاب إلى النقاش السياسي المغربي؟ وهل أسهم في توجيه الأنظار نحو قضايا المواطنين، أم أنه نقل النقاش إلى مساحة أخرى لا تحمل قيمة سياسية موازية لحجم الجدل الذي أثارته؟
لقد كان “شارل ديغول” يردد أن “رجل الدولة هو من يضع مصلحة الوطن فوق انفعالات اللحظة.” ولم يكن يقصد بذلك الدعوة إلى الصمت، وإنما التذكير بأن الزعامة السياسية تقاس بقدرة صاحبها على التحكم في خطابه قبل أن يتحكم الخطاب فيه.
ولعل أكثر ما استوقف المتابعين في هذه الواقعة، ليس فقط ردود الفعل خارج الحزب، وإنما أيضا ما بدا من تباين داخل محيطه. ففي العمل الحزبي، لا يكون الصمت دائما غيابا للموقف؛ بل قد يكون، في أحيان كثيرة، تعبيرا عن الحرج، أو اختلافا في التقدير، أو إدراكا بأن بعض المعارك قد تفرض كلفة سياسية أكبر من أي مكسب محتمل.
ولذلك، فإن النقاش الحقيقي لا يتعلق بالأشخاص، وإنما بمنهج تدبير الخطاب السياسي. فالأحزاب تقاس، في نهاية المطاف، بقدرتها على تحويل النقاش العمومي نحو القضايا الجوهرية، لا نحو السجالات التي تستهلك الرصيد السياسي أكثر مما تبنيه.
لقد أدرك “ابن خلدون ” هذه الحقيقة منذ قرون حين كتب في المقدمة أن النظر في العواقب هو أساس حسن التدبير. وربما لا تزال هذه الحكمة صالحة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن السياسة ليست فن ردود الأفعال، وإنما فن تقدير المآلات.
وإذا كان لكل مرحلة سياسية لغتها، فإن المرحلة التي يعيشها المغرب اليوم تبدو في حاجة إلى خطاب يواكب حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة. فالمواطن الذي يواجه أسئلة الشغل، والتعليم، والصحة، وارتفاع كلفة المعيشة، ينتظر من الفاعلين السياسيين أن يتنافسوا في تقديم البدائل، لا في توسيع دوائر الخصومة.
وهنا تكمن المفارقة. فالسياسي لا يختار فقط ما يقول، بل يختار أيضا ما يجعل الناس يتحدثون عنه. وعندما تتحول اللغة إلى الحدث نفسه، بدل أن تكون وسيلة لشرح مشروع سياسي أو الدفاع عن تصور مجتمعي، يصبح الخطر أن يطغى الجدل على الفكرة، وأن يبتلع العنوان مضمون الرسالة.
لقد كتب “ألكسيس دو توكفيل” أن قوة الديمقراطيات لا تقاس بحدة الخلاف، بل بقدرة الفاعلين على إدارة ذلك الخلاف داخل إطار يحافظ على هيبة المؤسسات ويبقي النقاش منصبا على السياسات والبرامج. وهذه قاعدة لا تنتقص من حق المعارضة في النقد، بل تمنح ذلك النقد قيمته وجدواه.
وفي السياق نفسه، كانت “حنة آرندت” ترى أن السلطة الحقيقية لا تحتاج إلى الضجيج، لأن قوة الحجة تغني عن صخب العبارة. وليس المقصود هنا أن السياسة يجب أن تكون بلا حرارة، وإنما أن حرارة الموقف لا ينبغي أن تحجب برودة العقل، لأن القرارات والانفعالات التي تبنى على لحظة عاطفية كثيرا ما تنتج آثارا يصعب احتواؤها لاحقا.
لقد عرف المغاربة عبد الإله بنكيران، خلال سنوات طويلة، بخطابه المباشر والقريب من الناس، وبقدرته على تحويل اللغة اليومية إلى أداة للتواصل السياسي. غير أن نجاح أي أسلوب يظل رهينا بالسياق الذي يستخدم فيه. فما كان يمنح الخطاب قوة في مرحلة معينة، قد يتحول في مرحلة أخرى إلى عبء إذا فقد ارتباطه بالأولويات التي تشغل الرأي العام. ولعل هذا هو الدرس الذي تستحقه هذه الواقعة.
فالمشكلة ليست في كلمة قيلت ثم جرى التراجع عنها أو تفسيرها، وإنما في سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الخطاب السياسي في المغرب: هل سيظل أسير السجالات اللفظية، أم سيعود إلى التنافس حول المشاريع والأفكار؟
لقد كتب “مالك بن نبي” أن “الأفكار هي التي تصنع التاريخ.” ولم يقل إن الضوضاء تصنعه. فالأمم لا تتقدم بكثرة السجالات، وإنما بقدرة نخبها على إنتاج رؤية، وعلى إدارة الاختلاف بعقل الدولة لا بمنطق الانفعال.
وفي نهاية المطاف، قد تنسى الكلمات، لكن آثارها السياسية تبقى. فالتاريخ لا يسأل السياسي كم مرة أثار الجدل، بل يسأله: أي القضايا جعلها في صدارة النقاش؟ وأي المعارك اختار أن يخوضها؟
ولعل “الجاحظ” كان أصدق من عبر عن ذلك حين قال: “رب كلمة سلبت نعمة.”
أما السياسة، فلا تضيف سوى درس واحد إلى تلك الحكمة القديمة: ليس كل ما يمكن قوله، ينبغي أن يقال، وليس كل معركة يمكن خوضها، تستحق أن تخاض. فالقائد الحقيقي لا يعرف بعدد الخصوم الذين يصنعهم، بل بعدد الأزمات التي ينجح في تجنبها، وبقدرته على أن يجعل من الكلمة جسرا نحو بناء الثقة، لا شرارة تشعل معارك كان بالإمكان ألا تبدأ أصلا.
