مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
بقلم / أمال أغزافي
لطالما شدّني ذلك التمثال المتربّع فوق بناية بشارع محمد الخامس، قُرب ساحة الجلاء بتطوان. كنت أعبر المكان مرارًا، يمرّ الناس في عجل، بينما كنت أرفع رأسي نحوه كل مرة، وأسأل في صمت: من هذا الشاب؟ ولماذا يعتلي طائرًا يحلّق صوب المجهول؟
ربما كنا نحتاج أحيانًا إلى لحظة سكون وسط صخب الحياة، لنتأمل في التفاصيل التي تخبئها المدن، في رموزها الصامتة التي تنطق لمن يجرؤ على الإصغاء. كان هذا التمثال بالنسبة لي سؤالاً معلّقًا في الهواء، فقررت أن أبحث عن قصته.
اكتشفت أن هذه البناية قد شُيّدت سنة 1944، حين كانت تطوان عاصمة للحماية الإسبانية. وقد صمّمها المهندس فيرناندو كانوفاس كاسطيو، لصالح شركة التأمينات “الاتحاد والفينيق”. أما التمثال، فهو يُجسّد مشهدًا من أسطورة يونانية: طائر ضخم، يقال إنه نسر أو طائر الفينيق، يحمل على ظهره الشاب “كانيميد”، الذي تقول الميثولوجيا إن الإله زيوس اختطفه إلى جبل الأولمب، لأنه كان جميلًا، نقيًا، ويحمل شيئًا من النور في ملامحه.
لكن ما لمسني في الحكاية لم يكن البُعد الأسطوري فقط، بل ما يحمله من رمزية: الطائر الذي يحلّق عاليًا رغم ثقل الأرض، والشاب الذي يركب المجهول دون خوف، كأنهما معًا يجسّدان الأمل، والرغبة في تجاوز الواقع، والطموح لبلوغ السماء.
في تطوان، حيث الأرواح الأندلسية لا تزال تنساب بين الجدران البيضاء والنوافذ الزرقاء، يتماهى التاريخ بالفن، وتتحوّل البنايات إلى قصائد، والتماثيل إلى أسئلة. هذه المدينة التي استقبلت المطرودين من الفردوس الأندلسي، لم تكن مجرد ملجأ، بل صارت وطناً له طابع خاص، يمزج بين الجمال والحنين، بين التمدن والرّقة.
هكذا تحوّل التمثال من مجرّد مجسّم برونزي إلى رمز لحقيقتي الصغيرة: أن لا نتوقف عن طرح الأسئلة، ولا نتعب من البحث، وأن نؤمن دومًا أن خلف كل ما يبدو صامتًا، قصة تنتظر أن تُروى، وأفقًا لا بد أن نحلّق نحوه.
فليس كل ما هو جامد يخلو من الحياة، ففي الجمود أحيانًا تختبئ قصصٌ عميقة، نستحضر بها الماضي، ونستلهم منها طريقنا نحو المستقبل.”
