Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حرب الطماطم لن تقع..؟ بقلم: علي بوزردة

لو كنا في زمن الفاتح الأمازيغي طارق بن زياد، لرَكب الفرسان بواخرهم وعبروا مضيق جبل طارق، في حملة من تلكم الحملات المعهودة “لمحاصرة” القلعة الأوروبية الشاسعة والمترامية الأطراف، ولدعوة الساهرين على ما أصبح يطلق عليه “أمنها الغذائي”، بفتح الأبواب والحصون.. وإعادة النظر في قرارتهم المجحفة تجاه بلد جار وصديق،  إثر التراجع المفاجئ عن التزاماتهم و”نقض العهد والمعاهدة”.. وهي تصرفات شبيهة إلى حدٍ ما ب”نقض العهود” في التاريخ القديم.

لكن هيهات.. لقد أصبح مركز القلعة في بروكسيل، أي قلب الاتحاد الأوروبي النابض، بدل الأندلس. ومع مرور الزمن والحقب، تغيرت أحوال الناس وأصبح المحاربون عندهم وعندنا كذلك، فرساناً ببدلات أنيقة وربطات عنق وملفات وأوراق وكلمات وحركات في الكواليس وصور عبر الأثير… لفرض موقف أو رأي أو قرارٍ وتعليله بخطب رنانة، أحيانا ذكية و”مقنعة” وأخرى لغة خشب أكل عليها الدهر وشرب.. لكن كلامهم ولغوهم يضعنا، نحن شعوب الجنوب، أمام “الأمر الواقع.. و”اللي يَدْوَا يرعف”.

لماذا؟ 

 لأننا لا نتقن فن التواصل “الكومينكاسيون”. وقبل هذا وذاك، لازال فرساننا العصريون حتى لا نسميهم “البيروقراطيون الجدد”، بمن فيهم السيد وزير الفلاحة والصيد البحري المحترم والطيب عزيز أخنوش، يشتغلون بعقلية الإطفائي المسكين الذي يتحرك ويهرول إلى مكان الحريق بعد أن أتت النار على الهشيم واليابس والأحمر والأخضر..

والكلام عن “الأحمر والأخضر” يجرنا إلى بيت القصيد ألا وهو “حرب الطماطم والخضر وأخواتها”.

“ومالنا ومال الطماطم”..؟

“ياك مشكلتها ستجد طريقها إلى الحل، إنشاء الله مع قوته..”، قد يحاول إقناعنا المختصون والمتخصصون في الخوصصة والخصخصة.. وفي قطاع تصدير عشرات الأطنان بل ومئات الآلاف من أطنان “الماء الزلال العذب القراح”.. وبكلمة أكثر وضوحا “ماطيشا أو الطوماطيش بون كاليتي” التي تصدر إلى القلعة الأوروبية التي لا تنضب ينابيعها حتى في أوج موجات الحر والجفاف التي تجتاح أحيانا جنوبها الأندلسي.

كم تكلفنا “للا ماطيشا؟” خاصة في بلد تؤكد العديد من التقارير الدولية، وليس فقط تقارير “ذوي النيات السيئة.. وكل حسود في عينه عود”، بأننا في العشرين من القرن الحالي سوف تواجه عدة مناطق من بلادنا “أزمة ماء حادة” بسبب ارتفاع استهلاك السكان المتزايد والصناعات والمنشآت السياحية وخاصة “الكولفية” التي تعجب السياح الأجانب وبعض “الشخصيات المواطنة..” التي تشتاق إلى الشمس والعشب الأخضر لطرد هموم الدنيا ولإبرام بعض الصفقات بعيدا عن عيون الموظفين والموظفات.. وهذا لا علاقة له بما كان يقوم به إدريس البصري في “كولف دار السلام” وحوله “جوقة” من أصحاب “الهمزة”.. وكان سي إدريس (الله يوليه برحمة الله.. واذكروا موتاكم بالخير) يضرب الكرة البيضاء الصغيرة بعصاه الحديدية، لكنها سحرية، لأنها تحل العديد من المشاكل “قبل أن يرتد إليه طرفه”.. ويمضي ويمضي.. 

في الحقيقة خرجت عن الموضوع.. الموضوع سادتي يا كِرام، منذ عدة أسابيع ونحن نسمع ونقرأ كلاما ونشاهد صورا وتعاليق حول يمكن أن نطلق عليه “حرب الطماطم”. لكن لم نفهم ماذا وقع؟ ومتى؟ وكيف انقلب علينا أصدقاؤنا الأوروبيون؟ وهم الذين رفضوا في بداية الأمر أن نكون عضوا في اتحادهم، لأن الإمبراطورية التركية هي أولى.. فقلنا لا بأس.. ثم وافقوا على “اتفاقية التبادل الحر”، وعلى أن نكون طرفا في ما أطلقوا عليه “الشراكة الإستراتجية المتقدمة”.. وفرضوا علينا كذلك شروطا صارمة تشبه شروط الخزيرات “La Conférence d’Algésiras 1906“. 

المملكة المغربية الشريفة ذات الإثنى عشر قرنا ونيف، احترمت وتحترم بالحرف الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة مع أوروبا سواء بعد تأسيس الاتحاد الموسع أو قبله، بما فيها من فصول دقيقة ومدققة حول الجانب الصحي والتقني واحترام شروط المنافسة…

فما هو المشكل إذن ياترى؟ 

يرى العارفون أنه في ظل “الفراغ المؤسساتي” الذي يعيشه البرلمان الأوروبي منذ أبريل المنصرم، وفي انتظار أن يتم تعيين النواب الجدد السبعمئة في نهاية الشهر الجاري، ارتأت بعض الدول في إطار الاتفاقية الجماعية الأوروبية  المتعلقة بالفلاحة، أن تفرض شروطا جديدة بشأن المنتوجات الزراعية  لصالح مزارعيها، باللجوء إلى نصوص “معاهدة لشبونة” وببساطة قالوا: “نحن الأوربيون أولا، وبعدنا الطوفان”.. شروط تريد أن تمليها على دول الجوار المتوسطي من بينها المغرب، وذلك بجرة قلم تخرق الاتفاقيات السابقة، دون أدنى خجل.

بل الأدهى  والأمر هو أن بعض الدول الأوروبية تطالب بالعودة إلى ما قبل اتفاقية 1996 المبرمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، أي بعد مرور حوالي عقدين من الزمن نعود مع الأوروبيين إلى مائدة المفاوضات، وكأننا في مؤتمر “الخزيرات” السيئ الذكر، للدفاع عن مصالحنا في إطار “الرجل هو الكلمة.. والكلمة هي الرجل”. ولكن هذا منطق لا يريد أن يفهمه حراس القلعة الأوروبية المحصنة بترسانة من القوانين.. والبنوك.. والمدافع والبوارج.. نحن في نظرهم ننتمي إلى الجنوب وكذلك إلى المشرق العربي، ولذلك يجب أن لا ننسى أن الشرق شرق والغرب غرب.. فالكرم الحاتمي والمروءة والصبر والتضحية والنخوة العربية.. كلها خصال نتميز بها، أما “الوريل بوليتك” والبراغماتية فمن خصال الغرب ويفتخر بها. وبين هذا وذاك، تخون دبلوماسيتنا قوة التوقعات وبعد النظر.. والله غالب. 

ومن جهة أخرى، تخوننا الذاكرة وننسى.. أليست أوروبا العجوز هي التي قسمت، دون رحمة ولا شفقة، خريطة القارة الإفريقية، حسب مصالحها المادية المحضة إلى مستعمرات ب”المنشار”، بما فيها صحراءنا، والتي كل من فتح فاه – شرقا وغربا- يتكلم بالطول والعرض عن “سيادة القانون”.. ونحن نتساءل “إوا فين هو هذا القانون عند الأوروبيين”؟ نريد أن نفهم “الانتهازية الأوربية الموحدة”!… 

نعم، هناك “انتهازية أوروبية موحدة المصالح” وبدون أدنى شك.. ويجب أن نقولها جهرا ودون لفٍ ولا دوران، أو كلام دبلوماسي قد يفهم منه الشيء ونقيضه.. فعندما يطالب الأوربيين بأن يكون المغرب “دركي البحر الابيض المتوسط” لحراسة شواطئه من الهجرة السرية القادمة من تخوم إفريقيا ومن الجريمة المنظمة ومحاربة الإرهاب والمحذرات القادمة من أمريكا اللاتينية و.. و… تقول حكومة بنكيران “سمعاً وطاعة”، بل وذهب رئيس الحكومة إلى أبعد من ذلك حين قال أمام مجلس المستشارين مؤخرا إنه “يترفع..” عن الحديث مع زواره عن دور المغرب في محاربة الهجرة السرية مقابل الدعم والمساندة الأوروبيين.

“إيوا أشنو المعمول” سيادة رئيس الحكومة المحترم؟

عندما نطالب بأدنى الحقوق لمزارعينا ولمهاجرينا – وللتذكير، فقد بنيت صناعات ومؤسسات بأكملها على أكتاف “عبيد القرن العشرين المغاربة” الذين يحلمون الآن باستراحة المحارب في بلدهم الأصلي-  ترد أبواق قلعة بروكسيل قائلة: “في الواقع.. ولكن.. يجب أن تقدروا ظروف الأزمة المالية..”،  “إوا سير تضيم”، يقول المثل الشعبي.

ما العمل؟ هل سيرد المغرب بالمثل بعد أن فتح أبوابه على مصراعيها للمنتوجات الأوروبية التي من المستحيل أن تصمد صناعتنا أمام جودتها.. وأفرغت خزينة الدولة من عائدات الضرائب على هذه المنتوجات لتُثقل كاهل المواطنين المغاربة الذين لم يفهموا بعد كيف يرتفع معدل مؤشر المعيشة ولا ينزل؟.. وكيف أن “كيلو ديال ماطيشا” كان يباع في نهاية السبعينات بريال واحد في السوق الأسبوعي بسيدي بنور، بل كيلوغرامان اثنان بريال واحد؟.. أما الآن فحدث ولا حرج. هل يزور الساسة والسياسيون وأصحاب الحال الأسواق الشعبية لمعرفة أحوال الرعية؟ وكما يقول إخواننا المشارقة “بلاش عِتاب” وتوضيح الواضحات من المفضحات.

وفي الواقع أنا أفضل الطبخ الياباني لأنه لا يحتاج إلى أية طماطم ولا “ماطيشا” ولا “طوماطيش”، وهذا رأي شخصي قد لا يشاطرني فيه السيد وزير الفلاحة والصيد البحري… آه.. نسيت حكاية البحر والسمك وخاصة السردين وما جرى له مع الاتحاد الأوروبي، وهذه حكاية أخرى شيقة ومؤلمة لابد من العودة إليها قريبا.

ملحوظة لها علاقة بالموضوع:

في جريدة “ماروك سوار” بتاريخ 30 يناير 1987، كتب مولاي أحمد العلوي بمناسبة مرور 81 سنة على مؤتمر “الخزيرات” ما يلي: “منذ 1900 ما فتئ المغرب يحتل الصدارة في الإعلام الدولي، ومنذ بداية القرن العشرين حتى 1912 كان العالم منشغلا بما عرف آنذاك ب(القضية المغربية)، لأن المغرب أصبح محط أطماع ومنافسة شرسة عالمية، وخاصة من طرف القوى العظمى الأوروبية آنذاك. هذا التطور التاريخي انطلق بعد معركة إسلي سنة 1844 وحرب تطوان سنتي 1859-1860. وبسبب التفوق المادي للدول الأوروبية التي كانت في أوج الثورة الصناعية، تمكنت من أن تفرض على المغرب معاهدات غير متوازنة [مجحفة] من قبيل معاهدة (للا مغنية) مع فرنسا و(اتفاقية تطوان للسلم) مع إسبانيا. وهكذا بدأ تقسيم المغرب…”.

*صحافي ومدير موقع  art19.maوjournane.com  

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...