مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
في خطوة تحمل أبعادا رمزية و وطنية عميقة وجه رئيس الحكومة المغربية السيد عزيز أخنوش بمناسبة الذكرى التاسعة و الأربعين للمسيرة الخضراء مراسلة رسمية إلى مختلف القطاعات الوزارية و المؤسسات العمومية يدعو من خلالها إلى إطلاق أسماء الشهداء ونساء و رجال المقاومة و الحركة الوطنية و جيش التحرير على المؤسسات التعليمية و الشوارع و الساحات، و الفضاءات العمومية .
كما دعت المراسلة إلى إقامة معالم تذكارية تخليدا لذكراهم و ترميم مقابر الشهداء و تنظيم زيارات رمزية للترحم على أرواحهم في التفاتة تعكس حرص الدولة على صون الذاكرة الوطنية الجماعية و الاعتراف بتضحيات من وهبوا أرواحهم من أجل عزة الوطن و استقلاله .
لا شك أن هذه المبادرة التي تكتسي طابعًا رمزيًا نبيلًا تستحق التنويه لما تحمله من وفاء لتاريخ نضالي مشرف شاركت في صناعته أجيال من المغاربة الذين ناضلوا من مواقع مختلفة دفاعًا عن الأرض و الكرامة و السيادة .
غير أن الوفاء الحقيقي لتلك التضحيات لا يكتمل عند حدود الرمزية مهما كانت قوية في دلالاتها بل يستدعي بالضرورة ربطها بالعدالة الاجتماعية و إدماجها في صميم السياسات العمومية و ذلك من خلال العناية الواقعية و الملموسة بأسر الشهداء و ذويهم .
فلا معنى لإطلاق أسماء الشهداء على مؤسسات أو شوارع بينما يعاني أبناؤهم من التهميش و يواجهون الحياة بموارد محدودة وسط غياب برامج الدعم و الاستقرار .
و لا جدوى من تشييد النصب التذكارية إذا ظلت معاناة أسر الشهداء حاضرة في صمت غير مرئي داخل أحياء مهمشة .
إن الكرامة التي ناضل من أجلها الشهداء لا يمكن اختزالها في لافتات حجرية أو تسميات رمزية بل يجب أن تترجم إلى واقع اجتماعي منصف يضمن لأبنائهم و أحفادهم الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة من صحة و تعليم و سكن و فرص عمل .
إن الكرامة الحقيقي تبدأ عندما يعاد الاعتبار إلى الإنسان لا إلى اللافتة ، و عندما توازي مواقع نصب الأسماء واقع إنصاف الأبناء .
أستحضر هنا مثل مغربي يقول ( منين كتشبع الكرش كتقول للعقل غني ) في إشارة إلى أن الكرامة الإنسانية تبدأ من تلبية الحاجيات الأساسية .
حبذا لو يقترن هذا التكريم الرمزي ببرامج عملية تهدف إلى إعادة الاعتبار الحقيقي لورثة التضحيات من خلال توفير الدعم المادي و الأولويات في التشغيل و السكن اللائق و كل ما يضمن لهذه الشريحة من الأمة العيش الكريم الذي يليق بتاريخ آبائهم و نضالهم .
وهذا ما يفرض على الجهات الوصية بأن تتجاوز مظاهر التكريم الشكلي إلى تبني رؤية شاملة و منصفة قوامها احترام إرث شهداء الوطني من خلال تثمينه في السياسات العمومية و توسيع دائرة الاستفادة لتشمل برامج الدعم الاجتماعي و الاقتصادي و النفسي .
و على المؤسسات المنتخبة و السلطات المحلية أن تنخرط بدورها في هذه الرؤية عبر إحصاء دقيق لأوضاع هذه الأسر و تقديم الدعم المناسب لها وفقا لحاجياتها المتنوعة بما يعكس التقدير العملي و الفعلي لتاريخها النضالي .
إن تكريم الشهداء الحقيقي لا يتم فقط من خلال الرموز بل من خلال وضع العدالة الاجتماعية في صلب أولويات الدولة باعتبارها الامتداد الطبيعي للتضحيات التي سالت من أجلها الدماء .
فالشهداء لم يطلبوا المجد لأنفسهم بل حلموا بوطن يليق بأبنائه وطن لا ينسى من صنعوا مجده و لا يتخلى عن من حملوا رايته بعدهم .
ولو قدر الله لتلك الأرواح الطاهرة أن تنطق اليوم لقالت : ( احفظوا كرامة من بقوا بعدنا فإننا بذلنا حياتنا كي يعيشوا أحرارا وأعزاء ) .
إن ترسيخ ثقافة الاعتراف و الوفاء في الوعي الوطن لا يكتمل إلا عندما توازي السياسات الرمزية قرارات إنصاف اجتماعي حقيقية تترجم إلى برامج و خطط و تراقب في تنفيذها لتصبح العدالة الاجتماعية أحد أوجه الوفاء لذاكرة التضحيات .
و ذلك لن يتحقق إلا إذا تحولت المبادرات الرمزية إلى جزء من استراتيجية وطنية شاملة لتكريم تاريخ المقاومة ليس فقط في الذاكرة و لكن أيضًا في المعيش اليومي .
( ..لأن الأسماء تظل حية عندما تحفظها الضمائر لا عندما تحفر في الحجر فقط ) .
بقلم عبد السلام عبد النبي ابن شهيد حرب الصحراء المغربية
