مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
في زمن الـيتم انا ،
ابـحـث عنه
ايـنـمـا ولـيـت قـلـبـي
اسـتـشعـر الـبسـمـة
استـرق تـبـاشيـره
ألـوي عـنـق الشـجـن
كي أعصر منه نكهة
أغوص في لـجـة التـيـه
اجـمـع لألـي الـودع
ألامس تـراتيـل عنـدليـب
اشاكس المستحيل
واعـانـق غـبـشـه
ابـحـث هنـا وهنـاك
عن إشـراقة صـبـح
بـخيـوطه الدافـئـة
عن ضـحكـة ولـيـد
يشـعل فـتيـل الحـيـاة
ابـحـث وازيـد
فـكيـف !
كيف تستنكر ؟!
صوت فــرح عاد
عاد ليـقبـلنـي بدلال
يـلامـس روحـي
ويهمس انا طيفك
عرابك ..
فلا تهزعي بنيتي
تتناول الشاعرة الدكتورة أنيسة بوكلاطة في هذه القصيدة تجربة نفسية عميقة ومركبة، معبرةً عن رحلة البحث عن الذات والأمل في زمنٍ يسوده اليتم والفقد. القصيدة ليست مجرد وصف لحالة حزن، بل هي رحلة وجودية تتنقل بين الألم والأمل، بين الواقع والخيال، لتصل في النهاية إلى حالة من المصالحة والسلام الداخلي.
_ البنية الفنية والأسلوب
تعتمد القصيدة على **أسلوب رمزي مكثف**، حيث تُستخدم الرموز للتعبير عن حالات نفسية معقدة. فـ “زمن اليتم” لا يُقصد به اليتم الحرفي بالضرورة، بل هو حالة من الفقد الروحي أو الشعور بالضياع. كما أن البحث عن “البسمة”، “التباشير”، و”إشراقة صبح” يرمز إلى البحث عن الأمل والسعادة المفقودة.
تتميز القصيدة أيضًا بـ **التكثيف اللغوي**، حيث تُستخدم الأفعال المتوالية للتعبير عن ديناميكية هذه الرحلة: “أبحث”، “أستشعر”، “أسترق”، “ألوي”، “أغوص”، “أجمع”، “ألامس”، “أشاكس”، “أعانق”. هذه الأفعال تُظهر الإصرار والعزيمة في مواجهة اليأس.
_ تتبع مسار القصيدة
يمكن تقسيم القصيدة إلى ثلاثة أجزاء رئيسية:
1. مرحلة اليتم والبحث
تستهل القصيدة بتأكيد حالة اليتم: “في زمن اليتم أنا”. هذا التصريح المباشر يحدد الإطار العام للقصيدة. ثم تبدأ رحلة البحث المتعددة الأبعاد:
– البحث عن السعادة: “أستشعر البسمة”، “أسترق تباشيره”.
-مقاومة الحزن: “ألوي عنق الشجن كي أعصر منه نكهة”. هذه الصورة البليغة تُظهر محاولة تحويل الألم إلى شيء ذي قيمة أو معنى.
-التعمق في المجهول: “أغوص في لجة التيه أجمع لآلئ الودع”. هذا السطر يرمز إلى أن رحلة البحث عن الذات قد تكون في أعماق الضياع والشك.
-تحدي المستحيل: “ألامس تراتيل عندليب”، “أشاكس المستحيل وأعانق غبشه”. هنا، تبدو الشاعرة وكأنها تتحسس الجمال في أصعب الظروف وتتحدى العقبات بإصرار.
2. مرحلة الأمل المتمثل في الآخر
تتحول القصيدة من البحث الداخلي إلى البحث عن مصدر خارجي للأمل: “عن إشراقة صبح بخيوطه الدافئة”، “عن ضحكة وليد يشعل فتيل الحياة”. هذه الصور تُجسد الأمل في بدايات جديدة، في الحياة النقية التي لم تلوثها التجارب.
3. مرحلة الإدراك والمصالحة
يأتي التحول المفاجئ في القصيدة مع الاستفهام الإنكاري: “فكيف! كيف تستنكر؟! صوت فرح عاد”. هذا الاستفهام يُعد نقطة مفصلية، حيث تُدرك الشاعرة أن مصدر الفرح كان موجودًا دائمًا. الفرح لم يأتِ من الخارج، بل هو “عاد” إليها.
وفي الذروة، يتجسد الفرح ككيان حميم وحنون: “عاد ليقبلني بدلال يلامس روحي ويهمس”. وهنا تكشف الشاعرة عن ماهية هذا الفرح: “أنا طيفك عرابك… فلا تهزعي بنيتي”.
هذه الخاتمة تُقدم تأويلًا رمزيًا عميقًا. الفرح ليس شيئًا خارجيًا يُبحث عنه، بل هو جزء من الذات، “العراب الروحي” الذي يرشد ويُطمئن. “بنيتي” هنا لا تعني علاقة أبوية بالضرورة، بل هي كناية عن علاقة حميمية بين الذات الواعية والجزء المطمئن منها. اليتم لم يكن غيابًا للآخر، بل كان غيابًا للوصل بين أجزاء الذات. وعندما عاد هذا الصوت الداخلي، انتهى اليتم.
الخلاصة
تُعد قصيدة “في زمن اليتم أنا” قصيدة وجودية بامتياز، تُقدم رحلة ذاتية من الضياع إلى اليقين. إنها رسالة عن أهمية البحث الداخلي، وإدراك أن الأمل والفرح غالبًا ما يكونان كامنين في أعماقنا، ينتظران فقط أن نكتشفهما ونتصالح معهما. القصيدة تُظهر موهبة الشاعرة في استخدام اللغة بفاعلية لنسج صور شعرية مؤثرة تعبر عن تجربة إنسانية عالمية.
