Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

المغرب أمام فرصة لا تحتمل حكومة عادية

ليست أهمية المرحلة التي يدخلها المغرب في حجم الفرص المتاحة أمامه فقط، بل في ضيق الوقت الذي يفصل بين اغتنامها وتضييعها. وفي هذا تحديدا تكمن دلالة الحديث عن ظرفية “استثنائية” وعن فرص “قد لا تتكرر”.

فالعالم يعيد ترتيب أوراقه بسرعة غير مسبوقة. أوروبا تبحث عن أمنها الاقتصادي والطاقي، وسلاسل الإنتاج الدولية تعيد توزيع مواقعها، وإفريقيا تتقدم في الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية، والتكنولوجيا تعيد رسم قواعد المنافسة. والمغرب يوجد، بحكم موقعه وبنياته التحتية وشبكة علاقاته واستثماراته، في موقع يسمح له بأن يكون أحد المستفيدين من هذه التحولات.

لكن الموقع لا يكفي، والاستثمار لا يكفي، والمشاريع الكبرى لا تكفي.

السؤال الحقيقي هو: هل نملك السرعة السياسية والمؤسساتية التي تمكننا من تحويل هذه اللحظة الدولية إلى قوة اقتصادية واجتماعية مستدامة؟ هنا تبدأ المسألة.

لقد نجحت الدولة، خلال السنوات الماضية، في بناء أوراش كبرى وتحديد اختيارات استراتيجية تتجاوز عمر الحكومات. لكن التحدي اليوم لم يعد فقط في بناء المشروع، بل في بناء القدرة على استثماره. فما قيمة ميناء متطور إذا لم يصنع حوله اقتصادا وطنيا أكثر تنافسية؟ وما قيمة الاستثمارات إذا لم تنتج كفاءات ووظائف مؤهلة وقيمة مضافة مغربية؟ وما جدوى البنيات الحديثة إذا ظلت الإدارة التي تدبرها تتحرك بعقلية الأمس؟ هذه هي الفجوة التي ينبغي أن تقلقنا.

لقد أصبح المغرب، في بعض المجالات، أسرع في بناء المنشآت من سرعة مؤسساته في إصلاح طرق العمل. وهذه ليست ملاحظة تقنية، بل قضية سياسية؛ لأن الدولة التي تطمح إلى تحسين موقعها في عالم سريع التحول لا تستطيع أن تحمل معها إلى المستقبل كل بطء الماضي. ولعل ورش الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري يقدم المثال الأكثر دلالة.

مر أكثر من عقد على دستور 2011، واقتربنا من ثماني سنوات على صدور الميثاق الوطني للاتمركز الإداري، ومع ذلك ظل نقل الاختصاصات والوسائل إلى الجهات يواجه تأخرا واختلالات استدعت، مرة أخرى، التنبيه إلى ضرورة الإسراع في استكماله.

هنا لا يعود السؤال: لماذا لم ينجز الإصلاح؟ بل يصبح السؤال السياسي الأكثر إحراجا: من يملك مسؤولية إنجازه، ولماذا لم يستطع أن ينجزه؟ لأن الإصلاحات الكبرى لا تتعطل دائما بسبب غياب التشخيص أو نقص النصوص. أحيانا تتعطل لأن تغييرها يمس مصالح وموازين راسخة داخل الإدارة والسياسة. وفي هذه الحالة تحديدا تظهر قيمة الحكومة: ليس في قدرتها على إدارة الموجود، وإنما في قدرتها على تغيير ما لم يعد صالحا. وهذا ما ينبغي أن نتعلمه من المرحلة السابقة.

لا يكفي أن تكون للحكومة أغلبية مريحة، ولا أن تتوفر لها موارد مالية مهمة، ولا أن تنجز مشاريع كبرى. كل ذلك مهم، لكنه لا يعفيها من السؤال الأصعب: ماذا فعلت في الإصلاحات التي لا تنتج صورا جميلة، لكنها تصنع قدرة الدولة على العمل؟ وهنا ينبغي أن يكون النقاش حول الحكومة الجديدة أكثر جدية من مجرد تداول أسماء الوزراء والحقائب. المغرب لا يحتاج اليوم إلى حكومة عادية في ظرف غير عادي. يحتاج إلى حكومة تعرف أن الوزير ليس مجرد ممثل لحزبه داخل قطاع، ولا مجرد مدير كبير للإدارة، وإنما صاحب مسؤولية سياسية كاملة عن القرار والنتيجة. نحتاج إلى وزير يستطيع أن يحسم، لا أن يؤجل. أن يواجه مقاومة الإصلاح، لا أن يتعايش معها.

أن يتحمل كلفة القرار، لا أن يبحث دائما عن القرار الأقل مخاطرة.

وأن يعرف أن الإدارة وسيلة لتنفيذ السياسة العمومية، وليست بديلا عنها. وهنا أيضا ستختبر رئيسة الحكومة المقبلة، ليس فقط في قدرتها على إدارة التوازنات بين مكونات الأغلبية، وإنما في قدرتها على فرض الانسجام الحكومي، وتحديد الأولويات، ومتابعة التنفيذ، ومحاسبة من يتعثر.

فالحكومة لا تصبح قوية لأنها متفقة في اجتماعاتها، وإنما لأنها قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه. لكن هناك وجه آخر للامتحان لا يقل أهمية.

لا يمكن للمغرب أن يربح معركته الخارجية ويخسر ثقة جزء من شبابه في الداخل.

فالتحول الاقتصادي والجيوسياسي لن تكون له قيمته الكاملة إذا ظل المواطن يقيس الدولة من خلال مدرسة متعثرة، أو مستشفى لا يستجيب لحاجته، أو إدارة بطيئة، أو سوق شغل لا يمنحه أفقا واضحا.

الشباب لا يعيشون داخل أرقام الاستثمار، وإنما داخل سؤال المستقبل.

هل هناك عمل؟

هل هناك تكافؤ في الفرص؟

هل يمكن للكفاءة أن تصنع المسار؟

هل يمكن للجهد أن يؤدي إلى ارتقاء اجتماعي حقيقي؟

وهنا يصبح الإصلاح الاقتصادي نفسه إصلاحا سياسيا واجتماعيا.

لذلك فإن الحكومة المقبلة مطالبة بأكثر من مواصلة الأوراش. مطالبة بأن تجعل نتائج هذه الأوراش محسوسة في حياة الناس. وهذا يتطلب أيضا إعادة الاعتبار للأحزاب السياسية.

فالدولة تستطيع أن تبني وتخطط وتمول، لكنها لا تستطيع أن تقوم دائما مقام السياسة. الحزب الذي لا يوجد في المجتمع إلا أثناء الانتخابات لا يستطيع أن يؤدي وظيفة الوساطة والتأطير. والحكومة التي لا تجد حولها أحزابا قادرة على الإنصات والاقتراح والدفاع عن اختياراتها ستجد نفسها عاجلا أو آجلا أمام فراغ سياسي لا تعالجه البلاغات.

من هنا، فإن تشكيل الحكومة الجديدة ينبغي ألا يكون مجرد نهاية للمفاوضات حول الحقائب، بل بداية لإعادة تعريف المسؤولية الحكومية. المرحلة لا تحتاج إلى أكبر عدد من الوجوه المعروفة، بل إلى أفضل مزيج من الكفاءة والقرار والخبرة والحس السياسي. ولا تحتاج إلى وزراء يبحثون عن حماية قطاعاتهم، بل إلى مسؤولين قادرين على التفكير في الدولة ككل. ولا تحتاج إلى حكومة تعد كثيرا، بل إلى حكومة يمكن قياس أدائها بوضوح: ماذا قررت؟ ماذا نفذت؟ ماذا تعثر؟ ولماذا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ هذه، في تقديري، هي النقلة التي ينبغي أن تحدث.

لقد قطع المغرب مسافة طويلة حتى بلغ موقعه الحالي. لكن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن نتصرف وكأن الوقت مضمون، وأن نستهلك فرصة تاريخية بأدوات تدبير عادية.

فالفرص الدولية لا تنتظر اكتمال إصلاحاتنا، والمستثمر لا ينتظر بطء الإدارة، والتكنولوجيا لا تنتظر تأخر المدرسة، والشباب لا يستطيعون تأجيل مستقبلهم إلى أجل غير مسمى.

لهذا فإن عبارة “الفرص التي قد لا تتكرر” ينبغي أن تتحول من توصيف للمرحلة إلى معيار للحكم على الحكومة التي ستديرها. هل ستكون أسرع من التحولات التي تحيط بالمغرب؟ هل ستملك شجاعة إصلاح ما ظل مؤجلا؟ هل ستقلص المسافة بين القرار والتنفيذ؟ هل ستجعل من الاستثمار قيمة مضافة وطنية لا مجرد أرقام؟ وهل ستنجح في تحويل الطموح الاقتصادي للدولة إلى أفق اجتماعي يشعر به المواطن؟ هنا سيكون الامتحان.

فالمغرب لا يحتاج إلى حكومة تدبر ما هو قائم فقط، بل إلى حكومة تدرك أن مهمتها الحقيقية هي نقل البلاد من مرحلة تراكم الإنجازات إلى مرحلة تحويل الإنجازات إلى قوة اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية مستدامة.

وقد تكون هذه هي اللحظة التي يصبح فيها اختيار الحكومة نفسها جزءا من الرهان، لا مجرد نتيجة له. لأن الخطأ في اختيار من يقود المرحلة قد لا يظهر في اليوم الأول، لكنه قد يظهر بعد سنوات، حين نكتشف أن الفرصة مرت، وأن العالم تحرك، وأننا كنا نملك كل عناصر النجاح تقريبا، باستثناء شيء واحد:

السرعة السياسية التي تليق بحجم اللحظة.


شاهد أيضا

شاهد أيضا