Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الصحراء..الرواية الأخرى…!/ بقلم وفاق القدميري..

الصحراء..

الموضوع الأكثر التباسا وتخبطا من طرف العديد من الذين حاولوا أن يقاربوا المشكل من خلفيات عديدة (وطنية منفعلة؛ يسارية رثة؛ وضِدية مجانية؛ انفصالية صريحة…).

بداية أود أن أحدد علاقتي بالصحراء كجغرافيا وكقضية: أنا مزداد بمدينة السمارة ذات صيف حارق من أواخر الثمانينيات، حيث لا زالت الحرب مشتعلة نيرانها قبل أن تخمد بعد ثلاث سنوات من ولادتي، والسمارة كما يعرف الجميع هي المدينة التي أخذت النصيب الأكبر من مدارات الحرب إياها، باعتبارها أقرب نقطة حدودية من خطوط التنازع للمخيمات، فمعارك أمكالة الأولى والثانية وحوزة هي الأشهر على الإطلاق.

ولدت من أب جندي مغربي متخصص في المواصلات السلكية واللاسلكية أمضى خمسة وأربعون سنة في تلك الأرض، وهو ينحدر من مدينة مكناس، ومن أم صحراوية “ركيبية” هي الوحيدة من إخوتها التي عاشت وتواجدت غرب الجدار بينما ثلثي عائلتها يعيشون شرقه في المخيمات، حيث ينقسم الولاء السياسي والثقافي كما العديد من سكان الصحراء متقلبا تارةً مغربيٌ خالص، وتارةً للانفصال وللوطن الصحراوي المتخيل.

بسبب انفصال والدي عن والدتي في سن مبكرة، عشت في بيئة صحراوية خالصة، أو لنقل في بيئة انفصالية خالصة، حيث العداء والتأفف من كل ما هو مغربي، والأسباب يعرفها كل من دري هذه البقاع، قصص التعذيب والتنكيل والاختفاء القسري، ثم الشتات الأسري الذي صنعته حرب طويلة، ثم أيضا لا ننسى البرغماتية المضمرة التي تحكم تفكير العديد من الصحراويين، برغماتية تصنع في مخيالهم وطنا بمساحة تونس مرتين تقريبا (266 ألف كلم متر) لشعب متخيل لا يتجاوز المليون إنسان.

تدرجت في هذا الوضع ودريته، حتى أنني صرت في لحظة معينة قياديا طلابيا بخلفية انفصالية في موقع الرباط الجامعي (2010/2011)، ولكن تبدد هذا كله تدريجيا وببطؤ لا انطلاقا من منصب ريعي أو مساومة كما فعل ويفعل العديد من الذين كانوا بخلفيات انفصالية، بل منهم من يتقلد اليوم مناصب سامية، التحول الذي وقع لي هو تحول ثقافي بالأساس، تحول ساهم فيه الفكر لا السياسة، فبعد أن كان أول مقال كتبته في حياتي عن الصحراء، صارت هذه الأخيرة المصموت الأكبر عندي، لا لشيء سوى لأنني رفضت أن أزايد أو أركب صهوة تجعل المرء في عدم رضى من نفسه؛ ولكن، فلتكن شهادة أخيرة عن تلك المعضلة، ولأعد بعدها لقضايا الوجود والماهية والمعنى، لمعضلات الإنسان بما هو إنسان، وليس بما هو مغربي أو صحراوي.

– مشكل الصحراء في أصله ذو مرجعيتين؛ الأولى سياسية والثانية ثقافية، والحل بالضرورة لن يكون بعيدا عن هذه الثنائية، غير أن جذور هذه الثنائية لا بد لها من توضيح بشكل مفصول ليتحقق الفهم:

· ثقافيا، يتعامل المغاربة عموما -بما في ذلك الدولة- مع الصحراء كمسألة أرض فقط، لا كمسألة مواطنين، الصحراء مقدرة ولكن الإنسان غير ذلك تماما، حيث يتم التعامل مع سكان تلك المناطق بعزل وتصنيف لا يحقق أي إدماج ضمن ذهنية كبرى هي الذهنية المغربية، لا يوجد أي قيام بمعركة ثقافية من أجل مغربة الإنسان، وليس الأرض فقط، وللأسف الشديد عدم المغربة الثقافية أدى ويؤدي لعدم المغربة السياسية، والمغربة الثقافية هنا ليست شكلا من البلقنة أو فرض ثقافة معينة بالإكراه، بل هو إلحاق بفسيفساء كبرى وجامعة تجعل الصحراوي أو البيظاني لا يشعر بأي اغتراب خارج بيئته البدوية المتعنتة والمحافظة، أن يشعر بالقابلية للتلاقي والحوار والقبول، دون منطق (حنا/نتوما) الذي قاربته وتقاربه الدولة منذ بداية هذه الأزمة قبل خمسا وأربعين سنة، أي منذ تواجدها السيادي ما بعد الاستعمار الإسباني، التواجد السيادي الذي عوض التواجد التمثيلي في الدولة السلطانية وما قبلها.

· الاختراق الثقافي يأتي أساسا بالمصاهرة والدمج العرقي والفلكلوري مع كل مناطق المغرب ومع الصحراء، كنوع من التعرف الشامل للصحراوي على امتداده المغربي، والمغربي مع امتداده الصحراوي، فعملية التوطين التعسفي مثلا لبعض المجلوبين من قرى ومداشر بعينها نحو مدن الصحراء واحدة من أكبر الأخطاء الكارثية التي قامت بها الدولة –لنا وقفة عند أخطاء الدولة- ولن أنسى يوما وأنا أتجول مع صديقة من مدن الصحراء في الرباط سؤالها لي عن “لماذا لم تختر لنا الدولة هذه النوعية من الناس لتملئ لنا بهم الصحراء عكس المتوفرين حاليا؟”؛ سؤال مشروع لأن التوطين العشوائي خلق نوعا من الاحتقان الثقافي ازداد معه الفكر الانفصالي توسعا.

· عدم المغربة الثقافية أدى إلى عدم المغربة السياسية، وهذا ليس وليد اليوم، بل هو نتاج إقصاء سياسي لفئة عريضة من الشباب ذوي المرجعية السياسية الثورية ذات ستينيات مضت، الولي مصطفى السيد وعمر الحضرامي والمحفوظ علي بيبا وابراهيم غالي وغيرهم، رموا نردهم، النرد الذي فشل في التقاطه الحسن الثاني ودولته فالتقطه الهواري بومدين الغاضب، فصنع منها شوكة لا زالت في خاصرتنا إلى اليوم، وكل متصالح مع نفسه وعارف جيد للتاريخ عليه أن يعترف بالكوارث والأخطاء القاتلة التي قام بها نظام الحسن الثاني: التنازل على جزر الخالدات؛ تفكيك جيش التحرير بالقوة؛ عدم استقطاب المقاومة ضد الإسبان، صنع عداء تاريخي ضد الجزائر، عداء صنعَ بدوره دعما مطلقا للبوليساريو، وساهم في خلق صوت دولي لها.

· أخطاء الماضي هي صنيعة الماضي، وليس دورنا اليوم العودة لها، ولكن دورنا اليوم تصحيح نتائجها، وهذا التصحيح لن يكون إلاّ بالمصالحة التاريخية مع صحراويي الداخل، بمساعدتهم على أن يكونوا مغاربة كاملي “التمغرابيت”، لا بحقوق أكثر ولا بواجبات أقل، لأن صحراويي الداخل هم معبر نحو صحراويي المخيمات، وصحراويي الشتات، ولأنه وكما يقول المثل المغربي “عمر المش يهرب من دار العرس”؛ ولأنه بكل بداهة، كسب ولاء سكان الصحراء هو صمام أمان وورقة ضغط أمام المنتظم الدولي، هذا الكسب التام لم يتحقق إلى اليوم، ونحن كمغاربة علينا أن نسائل سياسيا الدولة عن مجهودها في توسيع وتقوية حس الانتماء والإدماج عند هؤلاء؟ فأنا لا أعرف شخصا واحدا فتح موضوع الإدماج الثقافي والسياسي لمرجعيات المغاربة المختلفة، في الصحراء وفي غيرها.

· عاشت الدولة لسنوات طوال وهي تتعامل مع الناس في الصحراء انطلاقا من مقاربة ريعية خالصة، إغناء الشيوخ والأعيان، وإفقار المهمشين والمفقورين أساسا، في مقاربة أنثربولوجية عبيطة، مفادها أن الإمساك بولاء شيوخ القبائل ورؤسائها قادر على تحصيل ولاء العموم؛ ولكن النتيجة هي ما نراه اليوم، أن الخطاب الانفصالي صار متأججا وصار غير محتشم، اليوم على الرهانات أن تختلف وعلى كل خطاب سياسي أن يفهم مخاطبه، أن يفهم خلفياته الثقافية قبل السياسية، فلا معنى، بل من المضحك أن تأتي الدولة بشخص ولد في “أكدال بالرباط” ليحل مشكل سياسي أو اجتماعي لشخص يعيش في “معطلا بالعيون”، دون أي دراية بتفاصيل هذا المشكل ولا بتاريخه، ولا بخصوصيات من جاء ليحل مشكله. والأهم من كل هذا على هذا الخطاب أن لا يكون انطلاقا من وسائط.

وفاق القدميري..


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...