مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
الرباط / آخر خبر
لم يعد إصلاح المنظومة الصحية في المغرب رهانًا يقتصر على تشييد المستشفيات أو اقتناء أحدث التجهيزات الطبية، بل أصبح يقاس بقدرة المواطن على الولوج إلى العلاج في الوقت المناسب، وبجودة تحفظ كرامته، وبتكلفة لا تثقل كاهله. فنجاح أي إصلاح صحي لا يُقاس بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، وإنما بمدى انعكاسه على حياة المواطنين اليومية وتقليص معاناتهم مع مسار العلاج.
وانطلاقًا من هذا التصور، يجعل برنامج التجمع الوطني للأحرار 2026-2031 من محور “رعاية صحية تشمل الجميع” أحد أبرز أوراشه، واضعًا نصب عينيه الانتقال من مرحلة إطلاق الإصلاحات إلى مرحلة جني ثمارها، عبر تحويل المشاريع الكبرى إلى خدمات صحية ملموسة تصل إلى المواطن أينما وجد.
ظل التفاوت في توزيع الخدمات الصحية بين الجهات أحد أبرز الاختلالات التي طبعت المنظومة الصحية لعقود. ففي الوقت الذي استفادت فيه المدن الكبرى من عرض صحي متطور نسبيًا، بقيت مناطق واسعة، خصوصًا بالعالم القروي والجبل والمناطق البعيدة، تعاني خصاصًا في الأطباء والتخصصات والتجهيزات، ما اضطر آلاف المرضى إلى التنقل لمسافات طويلة بحثًا عن العلاج.
ويراهن البرنامج على قلب هذه المعادلة، من خلال اعتماد مقاربة تقوم على تقريب الخدمة الصحية من المواطن بدل إرهاقه بالتنقل، وذلك عبر تعميم المجموعات الصحية الترابية بحلول سنة 2027، بما يضمن مسارًا علاجيًا متكاملاً يبدأ بالمركز الصحي، ويمر بالمستشفى الإقليمي والجهوي، وصولًا إلى المستشفى الجامعي عند الضرورة، وفق تنظيم أكثر نجاعة وعدالة.
ويمنح البرنامج مكانة محورية لطبيب الأسرة باعتباره الحلقة الأولى في مسار العلاج، بما يسمح بتحسين تتبع الحالات الصحية وتعزيز الوقاية وتقليص الضغط على المستشفيات.
كما يقترح تعميم حوالي 5000 عون صحي بالعالم القروي، بهدف تقريب الخدمات الأساسية من السكان، ومواكبة المرضى داخل مناطقهم، وتعزيز التدخل الوقائي قبل تفاقم الحالات المرضية.
ولا يقف الإصلاح عند إعادة تنظيم الخدمات، بل يمتد إلى تعزيز الموارد البشرية والبنيات التحتية، من خلال رفع الكثافة الطبية إلى 45 مهنيًا صحيًا لكل عشرة آلاف نسمة بحلول سنة 2030، واستكمال إنجاز المراكز الاستشفائية الجامعية، وتأهيل 1600 مركز للرعاية الصحية الأولية، وإحداث 200 مؤسسة صحية جديدة بالمناطق التي تعرف خصاصًا، إلى جانب نشر 100 وحدة طبية متنقلة لضمان وصول الخدمات إلى المناطق الأكثر بعدًا.
ويراهن البرنامج كذلك على تحديث المنظومة الصحية عبر الرقمنة، من خلال إطلاق الرقم الوطني الموحد 141 لتدبير الحالات الاستعجالية، وإحداث 12 مركزًا جهويًا للمساعدة الطبية الاستعجالية، إلى جانب تعميم خدمات الطب عن بُعد ضمن التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، بما يسمح بتوسيع الولوج إلى الاستشارة الطبية وتقليص الفوارق المجالية.
ويخصص البرنامج حيزًا مهمًا لمعالجة الكلفة المالية للعلاج، باعتبارها من أبرز التحديات التي تواجه الأسر المغربية، إذ يقترح تعميم نظام الطرف الثالث المؤدي تدريجيًا داخل القطاع العمومي، إلى جانب مراجعة أسعار الأدوية وتحيين لوائح التعويض، بهدف الحد من النفقات المباشرة التي تتحملها الأسر عند الاستفادة من العلاج.
في جوهره، لا يقتصر هذا التوجه على تحديث البنية الصحية أو تطوير طرق التدبير، بل يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والمنظومة الصحية، من خلال توفير خدمات أكثر قربًا وجودة وإنصافًا.
فالرهان الحقيقي، وفق هذه الرؤية، يتمثل في الانتقال من منظومة تفرض على المواطن البحث عن العلاج، إلى منظومة تجعل العلاج يصل إليه بكفاءة وسرعة، ليصبح الحق في الصحة ممارسة فعلية يعيشها المواطن يوميًا، وليس مجرد مبدأ منصوص عليه في القوانين.
