مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
آخر خبر
لم يكن الاجتماع الافتتاحي لما سمي بـ“مجلس السلام” في العاصمة الأمريكية يوم 19 فبراير الجاري حدثا دبلوماسيا عاديا في سياق التحركات الدولية المرتبطة بقطاع غزة، بل بدا محطة كاشفة لتحولات أعمق في بنية الحوكمة العالمية وأنماط إدارة النزاعات. ففي لحظة دولية تتسم بتآكل فعالية الأطر الأممية التقليدية، وتصاعد الاستقطاب الجيوسياسي، وعودة منطق التحالفات المرنة، برز هذا المجلس كمحاولة لإعادة صياغة أدوات التدخل الدولي عبر مقاربة عملياتية تجمع بين التنسيق المدني–العسكري ومنطق “الإنجاز الميداني”.
قدمت الإدارة الأمريكية هذا الإطار باعتباره استجابة مباشرة لتعقيدات الوضع في غزة، معتبرة أن المؤسسات الدولية القائمة لم تفلح في إنتاج حلول قابلة للتنفيذ. وفي هذا السياق، دافع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن إنشاء المجلس بوصفه ضرورة فرضها “انسداد الأطر التقليدية”، مؤكدا أن إعادة الإعمار تمثل “الخيار الوحيد الممكن” لتفادي العودة إلى دورة العنف.
ويعكس هذا الطرح تحولا منهجيا من إدارة سياسية للصراع إلى معالجة مركزة على تثبيت الاستقرار وإعادة بناء البنى التحتية، مع إبقاء المسار السياسي ضمن إطار مرجعي عام دون اشتراطه كمدخل مسبق للتحرك الميداني.
من جهته، سعى الممثل الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز إلى إضفاء طابع تقني على المبادرة، مستعرضا أرقاما حول تدفق المساعدات وانخراط أكثر من سبعين دولة في مركز القيادة المدني–العسكري، فضلا عن مؤشرات تتعلق بتراجع المجاعة الحادة وتحسن نسبي في خدمات المياه والتغذية. الرسالة الضمنية كانت واضحة: ثمة نموذج جديد لإدارة الأزمات قائم على التحالفات الوظيفية وتقليص الفجوة بين القرار السياسي والتنفيذ الميداني.
في هذا السياق، اكتسبت مشاركة المغرب بعدا يتجاوز الطابع البروتوكولي. فقد أكد وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، بناء على تعليمات من الملك محمد السادس، دعم المملكة لأي مبادرة جدية تروم إرساء سلام عادل ودائم، مع التشديد على أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تنفصل عن أفق سياسي واضح قائم على المرجعيات الدولية، وفي مقدمتها حل الدولتين.
هذا التوازن بين الانخراط في الإطار العملياتي الجديد والتمسك بالثوابت السياسية يعكس مقاربة مغربية حذرة تسعى إلى تجنب الانزلاق نحو مقاربة تقنية–أمنية خالصة، مع الحفاظ على المرجعية السياسية التي شكلت لعقود مرتكز الموقف المغربي من القضية الفلسطينية.
تعتبر أستاذة العلاقات الدولية فاطمة الولتيتي أن مشاركة المغرب تمثل انتقالا من “التعددية الخطابية” إلى “التعددية التنفيذية”. فالمملكة، التي بنت سياستها الخارجية على الالتزام بالتعددية والحوار السياسي، تجد نفسها اليوم أمام نظام دولي يتجه نحو صيغ هجينة لإنتاج الأمن، تتراجع فيها مركزية الأمم المتحدة لصالح ائتلافات مرنة ذات طابع وظيفي.
وترى الباحثة أن المغرب لم يقطع مع عقيدته الدبلوماسية، بل أعاد تكييف أدواته بما ينسجم مع التحولات الجارية، إذ لم يعد يكتفي بتأييد المبادرات داخل الأطر الأممية، بل يسعى إلى المساهمة في صياغة آلياتها وتنفيذها.
هذا التموضع يندرج ضمن ما تصفه أدبيات العلاقات الدولية بدور “القوى المتوسطة النشطة”، أي الدول التي لا تمتلك قدرات هيمنة كبرى، لكنها تبني نفوذها عبر الموثوقية، والاستمرارية، والخبرة المؤسسية، والقدرة على الوساطة والربط بين الفضاءات الجيوسياسية المختلفة.
لا ينفصل هذا الحضور عن رصيد راكمه المغرب عبر مشاركته في عمليات حفظ السلام منذ ستينيات القرن الماضي، وانخراطه في وساطات إفريقية، وتطويره للدبلوماسية الدينية والثقافية في إفريقيا جنوب الصحراء، فضلا عن مبادرات التعاون الأمني الإقليمي. هذا الرأسمال الرمزي والمؤسساتي يتيح للمملكة الانتقال من موقع “فاعل داعم للاستقرار” إلى “فاعل مساهم في هندسة أدوات الاستقرار”.
وتلفت الولتيتي إلى أن مجلس السلام ذاته يعكس تحولا في بنية الحوكمة الدولية، حيث تتداخل المؤسسات الرسمية مع الأطر شبه المؤسسية، وتتقاطع الشرعية الأممية مع التحالفات الوظيفية، لتصبح القدرة على التنسيق الشبكي معيارا للنفوذ الدولي. وعليه، فإن المشاركة في مثل هذه الأطر لا تمثل فقط مساهمة في معالجة أزمة بعينها، بل مؤشرا على الاعتراف بالمكانة الدولية والانخراط في دوائر إنتاج القرار.
في ما يخص القضية الفلسطينية، يندرج تأكيد المغرب على حل الدولتين ضمن استمرارية استراتيجية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وتعززت مع رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي. الإصرار على المرجعية السياسية في لحظة يغلب عليها الطابع العملياتي يمثل، وفق القراءة ذاتها، محاولة للحفاظ على “الأفق المعياري” للنزاع، حتى لا تتحول إعادة الإعمار إلى بديل دائم عن الحل السياسي.
أما بشأن احتمال مساهمة المغرب في قوة دولية لتثبيت الاستقرار في غزة، فتشير القراءة الأكاديمية إلى رهانات مركبة. فمن جهة، يشكل ذلك امتدادا طبيعيا لتاريخ طويل من المشاركة في عمليات حفظ السلام، وتعزيزا لصورة المملكة كفاعل أمني مسؤول. ومن جهة أخرى، يقتضي إدارة دقيقة للتوازنات الإقليمية، والحفاظ على الشرعية الدولية، ومراعاة الحساسية الداخلية المرتبطة بأي انخراط عسكري في سياق شديد التعقيد.
فالانتقال من الوساطة السياسية إلى المساهمة الأمنية المباشرة يمثل ترقية في الدور، لكنه يضاعف أيضا حجم المسؤولية والمخاطر.
في المحصلة، لا يمكن قراءة مشاركة المغرب في “مجلس السلام” باعتبارها خطوة ظرفية مرتبطة بغزة فقط، بل كحلقة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف دوره داخل بنية الأمن الدولي. ففي عالم يتجه نحو تعددية شبكية تتجاوز الثنائية القطبية أو الأحادية الصلبة، تصبح قدرة الدول على التحرك بين المستويات الإنساني والسياسي والأمني والمؤسساتي معيارا حاسما لمكانتها.
ضمن هذا الأفق، يسعى المغرب إلى تثبيت موقعه ليس فقط كفاعل إقليمي مستقر، بل كطرف مساهم في صياغة القواعد التي تنظم إدارة الأزمات في نظام دولي يعاد تشكيله. إنها محاولة للجمع بين الثبات المعياري والمرونة التنفيذية، وبين الوفاء للمرجعيات التاريخية والانخراط في الصيغ الناشئة لإنتاج الأمن العالمي.
